JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

الباحثة هيبة مسعودي تكتب: في وهم ديمقراطية الصناديق أو مصيدة الحمقى

 

في وهم ديمقراطية الصناديق أو مصيدة الحمقى

 

الباحثة هيبة مسعودي تكتب: في وهم ديمقراطية الصناديق أو مصيدة الحمقى

بقلم: هيبة مسعودي


تحميل الموضوع اضغط هنا


مثّل ما يُعرف ''بالربيع العربي'' تخمة في استيراد العتاد المفاهيمي لخوض تجارب سياسية ادّعت التجديد ودحر الدكتاتورية، ومن بين المفاهيم الوافدة والتي حطّت بثقلها على الخطاب اليومي فغدت موضوع اجترار سفسطائي واهي: الايديولوجيا والتعددية والديمقراطية والحرية حتى بات العاميّ أو المجرد من المعرفة العلمية يتبجّح باستعمالها في خطابه اليومي دون وعي بعمق المفهوم ودلالاته ويزجّ بها في الخطابة السياسية  إلى حدّ اسقاطها في الابتذال والتناقض في كثير من الأحيان، ممّا جعل من مفهوم الديمقراطية على سبيل الذكر مضغة تلوكها أبواق الدعاية السياسية والمثير للانزعاج أنّ الأحزاب والجماعات الأكثر بعدا عن الديمقراطية تجعلها ملصقة ضرورية في كل خطاباتها دون أي وعي بخصوصية المفهوم والاحراجات الكامنة في تطبيقه. هاهنا علينا أن نتوقّف عند جملة من التنبيهات التي أردناها بسيطة تدرأ كل تعقيد ممكن.

 أوّلا، إنّ أغلب الذين ينادون بالديمقراطية في الدول العربية لا يعلمون تاريخ المفهوم ولا يكلّفون أنفسهم عناء البحث فيه. فالكلّ يتعمّد دسّ مفهوميْ الديمقراطية والحرية  في كل الخطابات الجوفاء ويعلنونهما شعارا مخلّصا للشعوب من شرور عدّة والحال أنّ الديمقراطية قد تكون في حالات مخصوصة الشرّ بعينه أو اللعنة التي تؤدي إلى محرقة الأوطان لأنّ الديمقراطية مفهوم وافد، علينا تحضير الأرضية الاجتماعية والثقافية القابلة لاحتضانه خاصة وأنّ البون شاسع بين دول يرتفع فيها الوعي بارتفاع نسب التعلّم وقدم التجربة السياسية ومقومات الدولة الحديثة فيها وأخرى تترنح من كثرة العثرات. فهل يستقيم اجتثاث ذات المفهوم من تربته ومحاولة زرعه في غير موطنه ؟ أم يظل زرعا مستهجنا يفرز تعفّنات في الديمقراطية وفي المجتمعات غير المؤهلة لاحتضانه؟

 ثانيّا، مما لا ريب فيه أنّ الديمقراطية في معناها الاشتقاقي «demos» الشعب  « kratos » السلطة تجعل من الشعب مالكا للسلطة السياسية بعيدا عن حكم الأقلية أو حكم الفرد، هذا التصوّر النظري قد استمال الشعوب العربية وجعلها تتزاحم في استيراد المفهوم لكن الإرهاصات التي تعاني  كشفت عن استحالة تطبيقه ليغدو مفهوما مظللا أو فقاقيع حزبية تعيد لنا السفسطائي من جديد هذا يقول مالا يفعل خاصة مع ظهور الاسلام السياسي و لعلّ الاستحالة تنبثق من البون الشاسع بين الغرب والعرب بين مجتمعات الوعي والعقل ومجتمعات الوصاية والتكفير، بين مجتمعات حرية الرأي المنطقي وبين الرأي الذي تصنعه وسائل الاعلام المأجورة تعلبه وفق البرغماتية الرأسمالية وباختصار بين مجتمعات ارتفاع نسب التعلّم والتمدرس وبين مجتمعات ارتفاع نسب الأميّة والتسرّب المدرسي الممنهج لأنّ طفل اليوم هو مواطن الغد.  فهل الأمّي يمتلك مؤهلات المواطنة التي تخول له الاختيار الصائب؟ وهل المواطن الفاقد لأبسط المعارف قادر على الاختيار الحرّ أم هو فريسة خانعة لتلاعب الأجندات السياسية والعبودية الخفيّة؟ ثمّ هل ثمّة وعي سياسي قويم لمثل هذه المجتمعات يجعل المسار الديمقراطي سويّا لا علل تشوبه؟

ثالثا، إنّ تجارب الربيع العربي قد كشفت عن هشاشة ما يُعرف بديمقراطية الصناديق التي أفرزت ديمقراطية متبجّحة بمشروعية العدد والكمّ، بيد أنّه ليس كل أغلبية بالضرورة هي أغلبية صائبة وأن كل أقليّة هي بالضرورة أقلية شاذّة تقترب من أشباه الحقائق ونصف الصواب، لأنّ الديمقراطية كما ينتقدها جاك رنسيار في كتابه كراهية الديمقراطية هي "شباب يساوون أنفسهم بالعجائز، العجائز يحاكون الشباب، والحيوانات ذاتها حرّة، والخيول والحمير واعية بحريتها وكبرياتها تدوس في من لا يفسحون لها الطريق."[1]

رابعا، المشروعية العددية إذ ما أخضعناها إلى جديّة التفكير وصرامة التدبّر الفلسفي تبوح بالكثير من الإحراجات ونقاط الضعف التي لم تعد أبواق الديمقراطية قادرة على طمسها أو تضليلها، وهو الأمر الذي سيجعلنا في هذا المستوى نستدعي غابريال تارد من خلال كتابه الرأي والحشد وغوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير حيث حاولا فكّ لغز الجماهير التي تقوم مثلها مثل الديمقراطية على مفهوم الأغلبية والمشروعية العددية.

 فيكتب تارد "إن الجماهير شأنها شأن الحشود متعصبة ومتكبّرة ومتبجّحة ومدعية، فهي تروم باسم الرأي العام، جعل الكل يتنازل لها حتّى الحقيقة نفسها عندما تزعجها."[2]، أمّا لوبون فيكتب "لقد لعبت الجماهير في التاريخ دوما دورا مهما، ولكنها لم تلعب هذا الدور بنفس حجم الأهمية الذي تلعبه اليوم. فالعمل اللاواعي للجماهير يمثّل(بعد أن يحل محلّ الفعالية الواعية للأفراد) إحدى خصائص العصر الحالي."[3] فأيّة قوة مغالطة؟ وأيّة مشروعية زائفة ومزيفة في آن تتستّر وراءها كل سياسة ترفع حبالها الصوتية باسم الأغلبية العددية أو ديمقراطية الصناديق؟

 خامسا، إنّ تجربة الإسلام السياسي القائمة على تغييب العلمانية والحال أنّ لا ديمقراطية دون علمانية لأنّ العلمانية تنأى  بالمقدس عن عبث الساسة وميكافيلية السياسيين الجدد، كشفت عن خدعة الديمقراطية بماهية "مصيدة للحمقى" في مجتمعات العمى المعرفي والأمّيّ الثانوي حيث يقع توظيف الدين في خلق مشروعية العدد أو ديمقراطية الصناديق التي يعتبرها آلان باديو مجرد "فخّ للحمقى" لأنّه كلما تعاظمت روح المجموعة، وروح الجمهور، إن لم نقل روح الحشد في مجتمعاتنا المعاصرة ... فُقد لديها الإحساس بالاعتدال أكثر فأكثر، فيغالي في تقدير الأشخاص والأعمال."[4] وبهذا تكون المشروعية العددية واهية لا يمكن أن تنتصر للحقيقة والمعرفة ولا يمكن أن تحمل في طياتها الانتصار للحكمة أو الأفضلية. فكما يكتب غوستاف لوبون "إنّ الجماهير غير ميّالة كثيرا للتأمّل، وغير مؤهلة للمحاكمة العقليّة."[5]

إذن في المجتمعات الأميّة تحضر ديمقراطية قائمة على "الوعي القطيعي" وعي الأغلبية التي تمارس ديكتاتورية عددية يغيب فيها المواطن الحرّ الواعي باختياراته لتنقلب الديمقراطية إلى ضدّها، دكتاتورية الأغلبية الأميّة التي لا تفتح كتابا حول السياسة ولا حول مفهوم الديمقراطية. فيتساوى من يعلم مع من لا يعلم، مساواة تسير إلى خراب الأوطان، فيحدّد معك مستقبل الوطن من لا يستوعب مفهوم الوطن أصلا. فكما تقول أمّ الزين بنشيخه "ثمّة من يحب الديمقراطية، لكن ثمّة أيضا، من يكرهها. وربّما دعاتها ومحبّوها أشدّ كرها وبغضا لها: لأنّ تشويه الديمقراطية وتحويلها إلى إشباع لنهم الجماهير الاستهلاكية الحديثة شكل من الكره لها، وهلاكها والضرر بجوهرها العميق."[6]

يتبع...

 



[1] رنسيار، كراهية الديمقراطية، ترجمة أحمد حسّان، بيروت القاهرة تونس، دار التنوير، 2012، ص48.

[2] Tarde, (G).  L’opinion et la foule, Paris, PUF, 1989. P 25.

[3] لوبون )غوستاف(، سيكولوجية الجماهير، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي،1991، ص41.

[4] Tarde, (G).L’opinion et la foule, op.cit. P 25.

[5] لوبون )غوستاف(، سيكولوجية الجماهير، المرجع مذكور سابقا، ص45.

[6] بنشيخه )أمّ الزين(، "الأدب والديمقراطية في تأويل جاك رنسيار"، المرجع مذكور سابقا، ص 147.


شارك الموضوع مع أصدقائك:
الاسمبريد إلكترونيرسالة