أعلان الهيدر

تحميل تطبيق التفكر

تحميل تطبيق التفكر
تحميل تطبيق التفكر

اعلان

الرئيسية محمد سبيلا: رحيل بطعم الفاجعة

محمد سبيلا: رحيل بطعم الفاجعة

 محمد سبيلا: رحيل بطعم الفاجعة


بقلم: صلاح بوسريف


محمد سبيلا: رحيل بطعم الفاجعة


رحل مفكر الحداثة. كرَّس محمد سبيلا حياته الفكرية لفكر الحداثة والتنوير، لما يجعل من المجتمعات تخرج من ماضيها، دون أن تغفله، شريطة ألا يكون عائقاً في انخراطها في الحداثة والتحديث، في ما يمكن أن ينهض بفكر الإنسان، يغير رؤيته للواقع، ويعتبر الصيرورة قدراً، مثل الحداثة، وهما معاً، عند محمد سبيلا نفس المعنى، بنفس الحركية أو الدينامية.

من يقرأ أعمال الراحل، وعلينا اليوم، في وضع، الغياب لأننا هكذا صرنا نُقَدِّر قيمة المفكرين والمبدعين والفنانين، لا نستعيد حيواتهم إلا حين نكون تأكدنا من غيابهم، أن نُعِيد الإنصات إلى سبيلا، نجعله يتكلَّم، يقول لنا ما قاله ولم نكن نراه، أو رأيناه بغير العين التي كان سبيلا يُريدنا أن نفتحها في مواجهة الشمس، حتَّى وهي حارقة تلسع حَدَقاتنا.

تباعاً، شرع المثقفون ينسلون تلو بعضهم، من كل الأجيال، ومن كل الحساسيات والأفكار وحقول المعرفة والفن والإبداع. في هذا الزمن الفجائعي، لا أحد مِنَّا في منأى عن رصاص قنَّاص كامن في دَغَل مظلم، لا يميز من يكون المقتول، ولا حاجتنا إلى وجوده معنا، أو ما يمكن أن يقوله لنا بشأن ما نحن فيه من فخاخ. قنَّاص لا يتأخَّر في تصويب رصاصه بحِنْكَةٍ صوب رؤوسنا هذه المرة، أعني رؤوس الكُتَّاب والمفكرين، ومن كانت الأفكار هي مجال عملهم، يتساءلون، ويعيشون قلقهم اليومي، دون أن يكَلُّوا أو يشتكوا، رغم أن البلاد التي هم فيها لا تلتفت إليهم، بل إنها تنظر إليهم شزراً، وتعتبرهم يتدخَّلُون في ما لا يعنيهم، دون أن تفطن البلاد إلى أن هؤلاء هم البلاد في ضوئها، وفي تاريخها وحضارتها، لأن وجود البشر على الأرض، كان بالفكر، وبالنظر، وبالسؤال، وبما تركه عقل الإنسان خلفه من قوانين ونُظُم، وما خلقه من دهشة وجمال. السَّاسة يختفون، التاريخ ينطر إليهم بريبة، ويُطْبِق عليهم كما أطبقوا هم عليه إبَّان هيمنتهم على الخلق من البشر، لكن المثقف والفنان والمبدع، هو من يبقى، وهو من نهضت على فكره وسؤاله الحضارات والجامعات والمعاهد، ومؤسسات البحث العلمي، والمدارس، والكتب، والمعالم التاريخية الكبرى التي هي ما تعتزُّ به الأمم والشعوب، وتعتبره رأسمالها الذي هو أكبر من رأسمال الفرجة والسطحية والابتذال.

محمد سبيلا، حين اكتفى بالحداثة كشرط حياة ووجود، فهو كان يعرف أنَّ الحياة والوجود، لا مناصّ لهما من هذا الشرط، واعتبره، مثل عبد الله العروي، قدراً، سواء قبلناه أو رفضناه، فهو صار حتمية، لأن الفكر البشري لم يعد هو نفس الفكر، والمجتمعات تغيَّرت، أو شرعت في التغيُّر بفعل العلم والتقنية، واجتياح التحديث لحياتنا اليومية. لا بيت يخلو من وسائل الحداثة، من فكرها، مما تُتِيحُه من تقنيات ووسائل للتواصل والحوار والتَّناظُر، وحتّى الفضاء العام، صار بهذا المعنى، لأن الحداثة، فكرُها والعقل والخيال اللذان تعمل بهما، مثل الدم الذي يضخه القلب في خلايا الجسم، في اللحم والعظم، وفي ثنايا الجلد، كما في الفكر والوجدان.

فمحمد سبيلا، تبنى الحداثة، أو هي من تبنَّتْه، لأنها كانت الشمس التي بدونها لا تطلع النهارات، ولأن سبيلا كان، من حيث نسبُه المعرفي، من شجرة نسب هيراقليط، فيلسوف الصيرورة، من رأى أننا لا يمكن أن نسبح في نفس النهر أكثر من مرَّة، وأن الشمس التي نراها اليوم، ليست هي شمس البارحة. ولا أكون خرجت عن نَسَب هذه الشجرة الوارفة، إذا أنا أضفت إليه نيتشه، وهايدغر، وطه حسين، وعلي عبد الرازق، وفوكو، وعبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي، وفاطمة المرنيسي، وغيرهم، ممن نذروا عقولهم لفكر المُغايرة والاختلاف، وللفكر التنويري الحداثي، وللشمس التي علينا أن نفتح أعيننا في مواجهتها، إذا نحن أردنا أن نعرف من نحن، كما كان قرأ ذلك سقراط في مدخل معبد دلفي.

أن يَسْتَغْفِلَنا الموت، تباعاً، يسحب من بيننا، في كل يوم واحداً من هؤلاء القلائل الذين مهنتهم القراءة والكتابة والتفكير، بل مهنتهم أنهم يرغبون في إتاحة الشمس للجميع، لا بما هي ضوء فقط، بل بما هي الظلُّ الذي تتركه الأشجار خلفها، حتَّى لا يخذل الطيور ريشها، وتبقى عالقةً في الفراغ دون غناء.

عاش محمد سبيلا مفكراً متواضعاً، شديد التواضع، مناضلاً، ومثقفاً عضوياً، بالمعنى الكامل للعبارة، انخرط في السياسة، كمفكر يقترح رؤًى وتصورات، ويلح على الموقف، كشرط للنضال. كتب في الصحافة، وكان له عمود شهير في الصفحة الأخيرة في جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، في تسعينيات القرن الماضي، فيه كان يُقارب تفاصيل حياتنا اليومية، وما كان يبدو له من مظاهر، من خلالها كان يستشف ما آل إليه العقل المغربي من مُفارقات، ومن تحوُّلات . لم يكن سبيلا صحافياً مهنياً، بل مثقفاً يكتب من شرفته هو كمفكر له رأيه، وطريقته في قول الأشياء، وفي رؤية ما يمكن أن تجْهَش به من أفكار وأسئلة ومقاربات.

لن تجد واحداً من طلبة محمد سبيلا، في الجامعة، ومن كان أشرف على إجازاتهم وأطارحهم الجامعية، من أغلبهم اليوم أساتذة في الجامعة، يتكلَّم عنه بسوء، أو بامتعاض، كما قد يحدث مع آخرين. الجميع، كانوا يُبَجِّلُون الرجل، يحترمونه، وينحون أمامه، لا خنوعاً، بل تقديراً وعرفاناً. ظل سبيلا عندهم، دائماً، الأستاذ، من يستمعون إليه، ومن يستشيرونه، في ما يكتبونه، أو ما يرغبون في كتابته، لأن سبيلا، ظل مثالاً للأستاذ الذي يحترم مهنته، ويعمل لأجل الآخرين. لم يزْدَرِ الطلبة والباحثين، عانق الجميع بنفس الحِكْمة، لأن السي محمد، كما دأبت على مناداته، كان حكيماً، وصاحب بصيرة، وبُعد نظر.

في جلسة معه في بيته، عاتب محمد سبيلا نفسه، حين صرَّح لي، دون أن أكون أثرتُ الموضوع معه، بما يحسّه من نقص في متابعة وقراءة الشعر المعاصر، وهذه اعتبرها ثغرة في معرفته، وألحّ أن أزوده بكل ما نشرته، بما في ذلك الكتابات النظرية، وفعلا سلمته عدداً من الأعمال، وكان علينا أن نلتقي للحديث بشأن الشعر، من خلال ما أراه، وما قد يكون سبيلا بحث فيه، أو ذهب إليه من أعمال أخرى لشعراء آخرين، خصوصاً في علاقة الشِّعْر بالفكر أو الفلسفة.

خلال شهر رمضان، نشرت جريدة المساء حلقات بعنوان «هكذا تكلم سبيلا»، للدكتور حميد لشهب، المُقيم في النمسا، كانت قراءة اكتشاف لفكر محمد سبيلا، في سياق الفكر العربي المعاصر، ووقف حميد لشهب على التصور الفكري لمحمد سبيلا، في سياق اشتغاله على مفهوم الحداثة، وما تقتضيه من سؤال ومعرفة وتأمُّل. العمل كتاب، أعلنت دار خطوط وظلال عن قرب صدوره، وكنت كتبتُ مقدمته التي ألحّ الصديق حميد أن أكتبها. سُرّ محمد سبيلا بخبر صدور الكتاب، أرسلت له نسخة من غلافه، الذي صممه الشاعر والفنان الأردني محمد العامري، لكنه لم يلمسه، وسيكون هذا الكتاب، هو تحية لما أسداه الراحل من خدمة للعقل العربي، بل للإنسان العربي، رغم ما يعيشه هذا العقل، وهذا الإنسان، اليوم، من مشكلات في النظر والتفكير، وفي فهم ما تعنيه الحداثة في زمننا، باعتبارها قدرنا، وليست ما نختاره بإرادتنا، أو نتركه دون أن نلتفت إليه.


شارك الموضوع مع أصدقائك:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.