JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

الباحث عمر عابدين يكتب: التأثر الاجتماعي: بين الإدراك العقلي والمعياري

  

 

التأثر الإجتماعي: بين الإدراك العقلي والمعياري.

بقلم: عمر عابدين

الباحث عمر عابدين يكتب: التأثر الاجتماعي: بين الإدراك العقلي والمعياري


المطابقة (الإمتثال)، والطاعة، مصطلحات، تجمعهم صلة ربط قوية، قادرين على تحليل العديد من السلوكيات والدوافع في العديد من المواطن، في كلاً من العلوم الإنسانية، والطبيعية كذلك. كما أن دراسة كلاً منهم على حدا، قد يعمل على فهم ميكانيكية، وهندسة التأثير الاجتماعي، وعناصره الديناميكية، والاستاتيكية كذلك. في هذا المقال نحاول أو نوفر قراءة حول نظريات التأثر الاجتماعي، لفهم السياقات المختلفة التي يمكن من خلالها فهم يمكن أن نتأثر بالآخرين؟.    

المطابقة الاجتماعية:  

 المطابقة، كما يعرفها علماء السيكولوجي، وعلماء النفس الاجتماعي، هي تغيير في السلوك بسبب التأثير الحقيقي أو المتخيل للآخرين.     

في خمسينيات القرن الماضي، وبداية من عام 1951، فقد ظهرت تجارب في علم النفس، مثل تجارب آش للامتثال أو نموذج آش، والثى تعد عبارة عن سلسلة من الدراسات التي قام بها سلومون آش، والتي درست ما إذا كان الأفراد سيمتثلون للأغلبية أو أنهم سيتحدون المجموعة ويسلكوا طريقاً مستقلاً بعيد عن تأثير المجموعة، فضلاً عن أنها هدفت إلى دراسة دوافعهم تجاه المطابقة، هل المطابقة لأجل هدف معين، أم المطابقة لأجل المجموعة. وبعد ذلك يتم دراسة نتائج هذه التأثيرات على المعتقدات والآراء، في الفضاء المجتمعي.   

كانت هذه التجربة، وغيرها من الدراسات التي لحقتها، هي ضمن أحد أهم أحجار الأساس لفهم طبيعة المطابقة، والتأثير الاجتماعي، ومدى تأثيره على الفرد، وما الذى يشكل الثقافات السلوكية، الفردية، أو الجماعية كانت، شرقاً أم غرباً، و علاقة النفس البشرية واحترام الذات، بالمطابقة، من عدمها. 

قسم علماء النفس الاجتماعي أسباب التأثير الاجتماعي، الذى يجعل من الفرد مطابقاً، مطبعاً، وإمعاً مع المجموعة الاجتماعية، إلى سببين أساسيين: 

التأثير الاجتماعي المعلوماتي

السبب الأول، هو ما يتعلق ب"التأثير الاجتماعي المعلوماتي"، ما يعنى مطابقة الفرد، للمجموعة، لإيمانه داخلياً، وخارجيا، بما يقوم به، واستناده إلى مرجع علمي، وأخلاقي كذلك. باختصار، المطابقة للإيمان بصحة الفعل، استناداً إلى خطوات عقلانية وبناء على عمليات ذهنية. فمثلاً، إذا أخذنا شرب السجائر كمثالأ، فإن الذى يشرب السجائر لإيمانه أنها تجعله أكثر سعادة، أو أقل ضغطاً، فهذا يندرج تحت المطبعين علمياً، أو معلوماتياً. فهنا الفعل لا يأتي لدوافع قيمية، أخلاقية، أو مصلحاتية، أو حتى عشوائية أو غير ذلك، ولكن بناء على "إعمال العقل" لا شيء أخر، فالدافع هنا هو يتعلق بالإيمان ب"صحة العمل بناء على عمليات معلوماتية سابقة" لها تبعاتها ونتائجها يدركها الفاعل جيداَ. وعند الحديث على الانتماءات الأيديولوجية والحزبية، فطبقا لمنظرين التأثير الاجتماعي المعلوماتي، فإن أعضاء الحزب، الجماعة، او الحركة يطابقون لقرارات جماعتهم لإيمانهم بصحة ما يقومون به بناء على مرجع علمي، لا لأجل المطابقة الإجبارية، أو لكونهم يتخذون سلوكاً "إماعيا". فمثلا الليبرالي ينتمى لأحزاب ليبرالية ويصوت لهم فى الانتخابات لإيمانه بالمبادئ الليبرالية الأساسية مثل باب الحريات، والقيم الفردانية وغيرها، لا لأن قادة الحزب يأمرون بذلك، أو ليس لأنه مجبر من قبل أعضاء داخل الحزب أو خارجة، أو ليس لتعرضه لضغوطات مجتمعية أو أسرية، أو ليس لأن الجو العام يلمح للتصويت لذلك الحزب، فالتصويت هنا بناء على مبدأ إعمال العقل لا التعبية لذاتها أو ليس بسبب الخوف من الإقصاء. إذن، فالتأثير الاجتماعي المعلومات يدرك عنصرين أساسيين، أولهما، قدرة الإنسان العقلانية، والتي تضغطوا على المؤثرات الخارجية. الثانية، والتي تعد مكملة للأولى، وهى أن الإنسان بما إنه عقلاني، فإنه يمتلك الخيار العقلاني الكامل، والذى من خلاله يعمل الإنسان على وضع حسابات بين الفائدة والضرر، بين المنافع والخسائر.  

  علاوة على ذلك، وعلى الجانب الأخر، ليس فقط إعمال "العقل الفردي" هو الدافع تجاه المطابقة بل هناك جوانب أخرى. تظهر نظرية التأثر الاجتماعي المعلوماتي، أن الأفراد يتجهون إلى المطابقة، بشكل معلوماتي، تأثراً بعوامل ثلاثة، أولها، غموض المواقف، وعدم القدرة على تحديد الصواب من الخطأ. ثانيا، وقت الأزمات، والقرارات اللحظية، فهذا الشكل من المطابقة يتم إذا ضاق الفكر، وتأزمت الأمور، فيلجأ الأفراد إلى اتخاذ سلوكي، لا فردى، بل مطابق للمجموعة، والحالة العامة في ذلك الوقت. ولعل المثال الأوضح لذلك النمط من التأثر المعلوماتي، هو ما نراه وقت الأزمات الاقتصادية، أو حالات الطوارئ. ثالثاً، في حالة وجود خبرات في هذا المكان، فوجود الخبرات العلمية، أو الخبرات الحياتية بدرجة أقل، تجعل من هذا النوع من المطابقة أمرأ ممكناً. فمثلاً، عند تحديد إتجاره التخصص، تتجه إلى استشارة  الأب، أو المعلم، لإيمانك أنهم على خبرة، وهم الأعلم، فتمتثل لأقوالهم، أو مثلاً، إذا تعثرت عليك مسألة فقهية أو ما شابه، فإنك تطابق جماعة، أو أقوال ومواعظ رجال الدين، لإيمانك بأنهم من يمتلكون خبرة وعلم في هذا المجال. إذاً، فالضبابية، الأزمات، وعامل الخبرة، يجعل من المطابقة الاجتماعي استناداك على معلومات وعقل فرداني أو جمعي كان أمراً ممكناً، كما يفسرها علماء الاجتماع النفسي.           

التأثير الاجتماعي المعياري

السبب الثاني، هو ما يتعلق بالتأثير الاجتماعي المعياري. ما يعنى المطابقة من أجل أن تكون محبوبًا، أو في محاولة لتجنب الوقوع خارج المجموعة من خلال عمليات الاستبعاد، والإقصاء الاجتماعي. كما أوضحت سلسلة دراسات آش. فهذا التعليل يتعلق أكثر بالمصلحة وبالأزمات الأخلاقية أكثر منه بالإيمان الداخلي، فعدم الموافقة على الأداء المجموعي، قد يجعل منك شخصا مكروهاً داخل المجموعة، مما يضر بمصالحك، ويجعلك أداة للسخرية والاضطهاد، وحتى الاتهام بالخيانة في بعض الأحيان. وهذا المعنى يتجلى عند الانشقاقات الحزبية، فتعلو حينها أصوات الخيانة، والعمالة. وأيضاً، يظهر هذا النوع من المطابقة الاجتماعية داخل إطارات جماعية هرمية (دينية وثقافية، عرفية، عرقية إلخ) متجمدة غير مرنة من الناحية القيمية والعرفية، بل إنها تعتمد على "توحيد" الوعى والسلوك الاجتماعي مما يجعل من سلوك الأفراد خارج إطار المجموع أمراً "شاذاً" وغريب أخلاقياً ومعيارياً. في عبارة أخرى،  التأثير المعياري يعزز من ثنائية "نحن" و "الأخر"، حيث تكون نحن كل ما له علاقة بالمجموعة المتأثرة والمُطابقة معيارياً، فيما يكون الأخر، كل من انحرف عن "نحن"  ووقع خارجها. ولكن يأتي هنا السؤال، متى يتأثر الفرد ويطابق معياريا؟.   

قدم بيب لاتيينى، إطاراً نظرياً لهذه الحالة، بما يعرف بنظرية "التأثير الاجتماعي"، متألفة من ثلاث عناصر رئيسية. العنصر الأول، مدى أهمية المجموعة نسبة للفرد، ومدى قرب المجموعة فكرياً، وجسدياً من الفرد، فأهمية المجموعة ومدى القرب، يلعبا دوراً هاماً في زيادة درجة المطابقة المعيارية. ولذلك، تحرص الجماعات الصغيرة دائماً على وضع أفرادها واحتوائهم في مناطق جغرافية متقاربة للتحكم فى فاعلية الجسد وتحركاته، ونمط تفكير العقل لتشكيل أولوياته. العنصر الثاني، كما ذكر بيب (1981)، "حجم المجموع"، فالكثافة العددية والكم العددي يلعبا دوراً هاماً في المطابقة، ويزيد من إماعية الأفراد. فمثلاً، إذا سأل معلم الصف عن سؤال، وكنت أنت أول المجيبين، فستجيب إجابة تختلف عن الإجابة التي تعطيها إذا كنت أنت خامس المجيبين، وتختلف إجابتك مرة أخرى، إذا كنت عاشر المجيبين، فحجم المجموع والإجابات السابقة، وعدد المصادر التي تمارس عملية التأثير والضغط تؤثر على قراراتك، وأفعالك بشكل مباشر. وعلى نفس النمط، فمثلا، في عملية اتخاذ القرارات الحزبية فى البرلمانات، فإن أفراد الحزب الواحد يتخذون نفس القرار، هذا طبعاً من عدم إغفال الجانب الإيمان الأيديولوجي والتوجه الحزبي والمصلحاتى. يفسر علماء النفس الاجتماعي هذه القرارات في إطار المطابقة المعيارية، والإمعية، فالأفراد يتأثرون ب"الكم" والخوف من الإقصاء كذلك. وإذا طبقنا هذا العنصر على واقع الثورة المصرية، فإننا رأينا الكثير من الجمع قد نزلوا إلى الميادين بعد مرور أيام من انطلاق شرارة ثورة يناير، وبعد تكثف أعداد المشاركين والأطياف المنادية للنزول. مثل هذا تحرك أو فعل، يفسره منظورا علماء التأثير الإجتماعي المعياري بالتأثر الكمي أو "العددي" فكلما زادت الأعداد كلما زادت نسبة التأثير على مجموع الأفراد، وبالتالي فالمطابقة للسلوك المهيمن تزداد كذلك.  العنصر الثالث، الفورية، أو ما يسمى "فورية الحدث"، ما يعنى أن عامل الوقت يلعب دوراً حاسماً فى أخذ القرارات، فالتساؤلات المفاجأة، والمواقف التي تطلب أن يكون القرارات حازمة، وسريعة إلى أقصى الحدود، قد تجعل سلوك الفرد، مطابقاً، بشكل يتخلى فيه تماماً عن أدنى أساليب التفكير و الاختيارات العقلانية، ولذلك يحل محلها المطابقة المعيارية، فتحل محل التفكير المستقل. فمثلا، إذا طبقنا ذلك على العلاقات الأسرية، إذا كنت مع العائلة في رحلة تجوالية، وطلب منك أباك أن تختار مكاناً لتناول الطعام، ولكن عليك الاختيار في هذه اللحظة، ففي الأغلب، ستسأل أمك، واخواتك، واخوانك، وباقي أفراد العائلة، عن أي مكان يفضلون، ويكون قرارك في نهاية المطاف، هو ما سيقرره الجميع، التفسير الأول لعدم المقدرة على اختيار الفرد بنفسه مكان تناول الطعام، هو عدم القدرة على إصدار قرار فورى، فالقرارات تحتاج لقدر من الوقت بطبيعة حالها. السبب الثاني، هو الخوف من أن تختار مكان لا ينال إعجاب باقي أفراد أسرتك، وبالتالي  قد تكون منبوذاً منهم، أو من مجموعة منهم، إذا كان الخيار غير موفق، وهنا يأتي سلوك الامتثال، أي التأثير الإجتماعي المعياري.  

 أيضا،" نوع الثقافة" يشغل حيزاً هاماً في نظرية التأثير الإجتماعي المعياري، كأحد العناصر المؤثرة في التطابق، فهناك ثقافات جماعية، وهناك ثقافات فردية، وهناك الشرق، وهناك الغرب، فالثقافات التي تؤمن بقيمة الفرد أكثر من قيمة الجماعة تعمل على "احترام الذات"، والفرد المبدع المستقل، فالفرد هنا أقل عرضة للتطابق، والفرد أيضا هو حر في كل تصرفاته ما لم يضر الآخر، فمن المرجح أن يعمل داخل إطار حلوله الفردانية، أو داخل إطار المجموع، ولكن ذلك متعلق بحريته وبرغبته في تحقيق أهداف فردانية، وأنانية في بعض الأحيان. على الجانب الآخر، نرى أن أعراف وسلوكيات الثقافات الجماعية، تروج على العمل بشكل مشترك وتطابقي، فهناك شبكة متداخلة يعمل جميع أفرادها على مطابقة الشكل العام، مما يجعل مجهود الفرد يندرج تحت جهد الجماعة، مما يزيد من الناتج الجماعي، مع تخفيف الجهد الواقع على كل فرد من أفراد تلك المجموعة.

علاوة على ذلك، يُعد المنظور الدوركايمي أحد أهم النظريات الاجتماعية التي تفسر كيف يتأثر الآخرين، وهنا التأثر يأتي بالمعنى الوظيفي، أي أن أفراد المجتمع عليهم أدوار ووظائف أساسية في المجتمع وهناك علاقات متداخلة ومترابطة بين تلك الأدوار، وهى التي تشكل التفاعلات الهيكلية داخل المجتمع. لكل هيكل وظيفة، وهذه الوظيفة هي التي تؤثر بالإيجاب (لضمان فاعلية وترابط النظام ككل) أو بالسلب على الهيكل الآخر (وهنا يحدث ما يسمى الخلل الوظيفي). فى عبارة أخرى، فاعلية أو عدم فاعلية أعضاء المجتمع هي المحدد الأول لمدى تأثرنا بالآخرين. وأيضاً ترى نظريات الصراع أن التأثر هو ذلك الذى يشكله التفاعل والصراع بين الطبقات المختلفة، وتؤثر الهياكل السفلية (أدوات ونمط وعلاقات الإنتاج) على الهياكل العلوية (الدين والسياسة والفلسفة والفن، إلخ).           

   ختاماً، فى ظل عمليات إعادة التشكيل الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، نتأثر جميعاً بالآخرين ونؤثر على تفاعلاتهم وسلوكهم وتصوراتهم. اختلفت المدارس السوسيولوجية ومدارس علم النفس الاجتماعي حول ماهية التأثر، وكيفية التأثر الاجتماعي، ونتاجاته، واشتركت جميعها فى أهمية فهم التأثر كسلوك بشرى، فهمه يوفر تفسيراً هاماً للتفاعلات البشرية من ناحية والتفاعلات بين الهيكل والوكالة ومدى استقلاليتهم من ناحية أخرى.   

 


شارك الموضوع مع أصدقائك:
الاسمبريد إلكترونيرسالة