أعلان الهيدر

تحميل تطبيق التفكر

تحميل تطبيق التفكر
تحميل تطبيق التفكر

اعلان

الرئيسية د. عز العرب لحكيم بناني يكتب: بين بُوﭬرِسْ وابن رشد؟

د. عز العرب لحكيم بناني يكتب: بين بُوﭬرِسْ وابن رشد؟

 د. عز العرب لحكيم بناني يكتب: بين بُوﭬرِسْ وابن رشد؟

د. عز العرب لحكيم بناني يكتب: بين بُوﭬرِسْ وابن رشد؟


توفي الفيلسوف الفرنسي جاك بُوﭬرِسْ Jacques Bouveresse يوم الأحد 9 ماي 2021 عن عمر يناهر ثمانين سنة، وتشكل وفاته خسارة للفلسفة المعاصرة في توجهها التحليلي والعقلاني.

ولد بُوﭬرِسْ سنة 1940في عائلة قروية بقرية إبنْوا Epenoy في أسرة متكونة من تسعة أطفال. وتنحدر جذوره من قرية بوﭬرس Boveresse السّويسريّة حيث هاجر أجداده الكاثوليك سويسرا البروتستانتية قصد الاستقرار شمال غرب فرنسا. وقد انخرط في التعليم الديني في سن مبكّر لمدة ستّ سنواتٍ، متأثّرًا بالمناخ المحافظ على المستوى السّياسي والدّيني، إلى أن حصل على بكالوريا التعليم العصري وبكالوريا الفلسفة المدرسيّة سنة 1957. 

لم يعد يتحمل خلال فترات الدراسة الدّينيّة الانغماس الكُلِّي في الشّعائر الدّينيّةِ. وشيئًا فشيئًا بدأ الشكُّ بشأن العقيدة الدّينيّةِ يتسلّل إلى نفسه، بما أنه شرع في ممارسة التفكير بطريقة عقلانيةٍ متمرّدةٍ. ثم التحق بالمدرسة العليا للأساتذة بباريس سنة 1961 وحصل على شهادة التبريز في الفلسفة سنة 1965، وتأثر أثناء ذلك بدروس المنطق لدي روجي مارْتان Roger Martin وجيل ﭬويلْمان Jules Vuillemin . ويحكي بُوﭬرِسْ كيف تعرّف على فريجه Frege وفتغنشتاين Wittgenstein وراسل Russell لأوّل مرّةٍ في دروس ﭬويلْمان بالمدرسة العليا للأساتذة سنة 1961. 

ثمّ هيّأ دبلوم الدّراسات العليا في فلسفة القانون والفلسفة السياسية لدى فيخته Fichte تحت إشراف ريمون أرون Aron Raymon. وقد تخلى عن مسار الفلسفة السياسيّة عندما بدأ يشعر بالعلاقة الملتبسة التي تجمع الفلسفة بالسّياسة داخل الجامعة الفرنسية؛ تسلّلت الإيديولوجيّات السياسية اليسارية إلى أغلب الحقول الفلسفية، فبات متأكداً تحت تأثير أرون و ﭬويلْمان بتعذّر "إيجاد حلٍّ للمشاكل السياسية عن طريق اللجوء إلى النظرية السياسيّة" . بدل السير في هذا الطريق، شرع في تقديم دروس عن رائد المنطق الفيلسوف النّمساوي بلزانو Bolzano بالمدرسة العليا للأساتذة بباريس خلال موسم 1966-67 وشرع أثناء ذلك في دراسة باقي الفلاسفة النّمساويّين المغمورين في فرنسا مثل موريتس شليك Schlick وأوتو نويرات Neurath وكارل بوبر وروبرت مُوزِل Musil وغيرهم، ولم يكن يعلم آنذاك أنهم يشكِّلون مدرسة فلسفيّةً مستقلة عن التيارات الفلسفية الفرنسية والألمانية. 

وأعدَّ خلال نهاية الستينات رسالة الدكتوراه عن فتغنشتاين نشر نسخة أولى منها سنة 1971 ثم طورها سنة 1976 في كتاب حاول أن يبطل فيه أسطورة الحياة الباطنية ووظيفتها المزعومة في تبليغ المعنى والصدق. التحق بسلك التدريس بجامعة السربون الأولى في مستهلِّ الثمانينات بعد بضع سنواتٍ قضاها في جامعة جنيف، وقبل أن يحظى بشرف التّدريس بالكوليج دو فرانس Collège de France (1995- 2010). كان لوي ألتوسير وجاك لاكان يهيمنان منذ زمنٍ بعيدٍ على المناخ الفكري الباريسي عبر التوجهات البنيوية structuralisme والماركسية والتحليل النفسي، في غياب شبه تامٍّ للتوجهات الأنجلوساكسونية العقلانية والليبرالية التي اكتشفها بُوﭬرِسْ. 

وقد استطاع بُوﭬرِسْ أن يوجد موطئ قدمٍ لصرامة الفلسفة التّحليليّة وللمذهب الواقعي داخل الجامعة الفرنسية في وقت كانت فيه الثقافة الفلسفيّة نخبويّةً واتخذت فيها الكتابة الفلسفية أسلوب المقالة الأدبيّة. استطاع بُوﭬرِسْ أن ينجز ذلك حينما جمع بين البحث والتدريس. فكانت محاضراته الجامعية دروسا كان يعمل على نشرها في السنة الموالية. فكنّا نتعرف على مضامين كتبه قبل نشرها وكنا نتعرف من خلاله على الفلاسفة التحليليين غير الفرنسيين. وهكذا كان التأثير الذي يحدثه بفضل الدروس أكثر أهمية أحيانًا من تأثير الكتب المنشورة؛ وكان يعطي الأولويّة في دروس الإجازة والدراسات العليا للباحثين و الفلاسفة المغمورين في فرنسا، وللهيرمينوطيقا الألمانية وبذل قصارى جهده لتلميع صورة مذهب الوضعية المنطقية الذي كان يعاني في فرنسا من نظرة تحقير لا تتناسب مع أهمية أعلامه النمساويّين؛ وقد عمل بنفس القدر على إعداد أجواء المصالحة مع الفلسفة التحليلية؛ وهذا ما تطَلّب منه أن يواجه التقاليد الفرنسية المهيمنة وأن يرفض النزعات الوطنية التي تزعم وجود فلسفة فرنسية نقرأ من خلالها الموروث الأجنبي. وقد ظل بُوﭬرِسْ مقتنعًا أننا إذا ما شئنا أن نقرأ فيلسوفاً ينتمي إلى تراث أجنبي، يجب علينا أن نستفيد منه دون أن نقرأه بصورة ضيقة في ضوء ثقافتنا.

لم يزعم بُوﭬرِسْ يوما ما أنه قد ابتكر 'فلسفة' أو "نظريّة" تنتسب إليه ، ولم يكن يكترث بذلك، بما أنّه يعتقد على الدّوام أنَّه لا توجد نظرية في الفلسفة، لأن النظرية مسألة علوم وليست مسألة تفكير فلسفي أصيل تعتمد المنهجية التحليلية؛ وهي منهجية تتطلب قدراً أدنى من المعرفة التقنية بالمنطق الرياضي ومنطق المحمولات.

من هذه الزاوية، حينما يناقش بُوﭬرِسْ قضايا الأخلاق، لا يراوده حلمٌ تأصيليٌّ Fondationnel داخل مذهبٍ فلسفيٍّ بعينه، بقدر ما يعود إلى الفلاسفة-الأدباء مثل مُوزِل للكشف عن الإحراجات الفلسفية التي تضعنا الاختياراتُ الأخلاقيّةُ أمامها؛ فهو لا يسعى إلى تأسيس أخلاق نظرية أو تأصيلها داخل مذهب ولا يتأسّى على الأخلاق التي نزعم أنها قد ضاعت. ولا يتوهم أن الفيلسوف يحمل رسالةً أخلاقيةً تتعالى على قيم الإنسان البسيط، بدعوى وجود أزمة أخلاقية؛ وهي أوهام فلسفية لم يستطع الفيلسوف الداعية أن يتحرّر منها. وقد فضّل لهذا السبب مناقشة قضايا الأخلاق النظرية من داخل الروايات الفلسفية التي تصوّر أبطال الرواية وهم يتّخذون الموقف المناسب في الوقت المناسب، كما كان الأمر في التراجيديا اليونانيّةِ. وقد ظلت القضايا الأخلاقية المطروحة على هذا النّحو غير مألوفة في فرنسا على خلاف ما هو عليه الحال في الفلسفة الأنجلوساكسونية.

يتساءل القراء، ما هو الدّاعي إلى ربط بُوﭬرِسْ بابن رشد؟

السبب هو أن بُوﭬرِسْ كان فيلسوفا شارحا لكتب فتغنشتاين كما كان ابن رشد شارح كتب أرسطو. ونحن نعلم منزلة الشرح وقيمتها المبدعة لدى ابن رشد . ومع ذلك لم يحظ آخر الشراح بالاهتمام المستحق في الأوساط الإعلامية.

نلجأ عادة إلى الشّرح عندما نكتفي بمحاولة الوصول إلى المعنى الذي قصده المؤلِّفُ، لدواعٍ تربويّةٍ أو بحكم قداسة المعنى المنشود. ونحن غالبا ما ننظر نظرة ازدراءٍ إلى الشّرح بدعوى أنَّ الشّارح لا يتجاوز الوصف إلى التّفسير، كما يظلُّ متقيّدًا بمنطوقِ النّص الأصلي. ويعود الفضل إلى بُوﭬرِسْ في إعادة الاعتبار إلى جنس الشّرح بعد أن اختفى بعد وفاة ابن رشد. ينبني جنس الشّرح على مسلمة الفرق الموجود بين الفيلسوف الأصيل والدارس النبيه، وهي المسلمة التي أتاحت لبُوﭬرِسْ أن يُخصّص أغلب كتاباته الشارحة لفتغنشتاين و للفلاسفة النّمساويّن، وعلى رأسهم روبرت مُوزِل وكارل كراوس Karl Kraus إلى درجة أنّه لم يعتبر نفسَه فيلسوفاً فرنسيًّا بقدر ما كان يحسُ بالانتماء إلى جيل الفلاسفة النّمساويين الذين عاشوا قبل الحرب العالمية الثانية

وفي الأخير، وللذكرى واعترافا بجميل الأستاذ طه عبد الرحمن وفضله علي، أذكر أنني أرسلت رسالة خطية اليه خلال سنة 1983 أثناء دراستي بسلك الإجازة بفاس، راجيا منه أن يدلني على بعض أساتذة الفلسفة الكبار في باريس. وقد أرشدني الأستاذ طه عبد الرحمن إلى الأستاذ كلافلان ببارس الرابعة والأستاذ بُوﭬرِسْ بباريس الأولى. فبدأت دراساتي العليا الجامعية مع جاك بُوﭬرِسْ وتعرفت من خلاله على كل الأسماء الفلسفية الكبرى؛ وهذه رسالة إكبار إلى روح جاك بُوﭬرِسْ ومن خلاله إلى كل الباحثات والباحثين الذين بذلوا جهد تكوين الطلبة وتعميق مداركهم وأخذ الفلسفة على محمل الجد.

 


شارك الموضوع مع أصدقائك:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.