أعلان الهيدر

الرئيسية الباحث الدعلي عبد السلام يكتب: جوانب اللاشعور في شخصية أحمد بن الحاج مهدي بطل المحكي الواقعي في رواية بدر زمانه لمبارك ربيع.

الباحث الدعلي عبد السلام يكتب: جوانب اللاشعور في شخصية أحمد بن الحاج مهدي بطل المحكي الواقعي في رواية بدر زمانه لمبارك ربيع.

 

الباحث الدعلي عبد السلام يكتب: جوانب اللاشعور في شخصية أحمد بن الحاج مهدي بطل المحكي الواقعي في رواية بدر زمانه لمبارك ربيع.

الباحث الدعلي عبد السلام يكتب: جوانب اللاشعور في شخصية أحمد بن الحاج مهدي بطل المحكي الواقعي في رواية بدر زمانه لمبارك ربيع.

أحمد بن الحاج مهدي: هو الراوي، وبطل رواية بدر زمانه، يسرد بضمير المتكلم (أنا) وقائع حياته من الطفولة إلى السجن. و بين ثنايا هذه السيرة الحياتية الطويلة توجد أحداث كثيرة لها بالغ الأثر في نفسية أحمد بن الحاج مهدي ، و لأن لكل شخصية أبعاد نفسية ، فشخصية الراوي هي الأخرى لها أبعاد نفسية عاشها في حياته و مرت عليه ، وهذا ما استنتجناه من أحداث الرواية حيث واجه عدة مواقف و أحداث ألّمته و أحزنته حزنا كبيرا و أحدثت في نفسيته فراغا كبيرا ورهيبا ظل عالقا في مملكته اللاشعورية، ولم يستطيع تجاوزه رغم مرور عدة سنين ، فأحمد ماضيه ينبض بقوة في حاضره ، فمن حين إلى آخر يجد نفسه أمام تجربة حياتية جديدة تماثل أخرى كان قد عاشها من قبل في ماضيه الأليم ، وكبتت مع مرور الوقت في اللاشعور ، لتخرج منه من جديد و تطفوا على سطح الشعور ، و تبدأ معها رحلة معاناة وألم نفسي حاد إلى حين عودتها مرة أخرى إلى اللاشعور و هكذا دواليك . لتظل حياته بين مطرقة اللاشعور $وسندان الشعور على الدوام. وسوف نوضح ذلك بجلاء من خلال دراسة الإشارات النصية لاحقا، وخاصة تلك التي تتعلق بحياة السجن، حيث أصبح يعيش أحمد على وقع العذاب النفسي الحاد جراء عودته إلى الأحلام والكوابيس التي كان قد ودعها في مرحلة الطفولة. 

من الصفحات الأولى في رواية بدر زمانه يمكننا رصد جوانب اللاشعور في حياة أحمد بن الحاج مهدي ، حيث كانت تراوده الأحلام و الكوابيس في نومه لترهقه وتنكد عليه حياته :(... ليرتفع صوت الطوفان فجأة هادرا يصل الماء فوهة البئر، يندفع الموج عليّ من فوق ... أنتظر سقوطه عليّ ... أستغيث ... أستغيث ... وأفيق مستغيثا مبللا بالعرق والبول والفزع...)¹. فأي قارئ لبدر زمانه يمكن أن يستنتج من الوهلة الأولى أن الحياة التي اختارها مبارك ربيع لبطله أحمد ليست حياة سوية مطلقا، فهي حياة يؤطرها اللاشعور عبر الأحلام والكوابيس التي أدخلته في حرب نفسية. 

إن طفولة أحمد بن الحاج مهدي لم تكن طفولة طبيعية تماما، ولعبت عوامل نفسية عديدة دورا مهما في خروجها عن السكة الصحيحة، تأتي في مقدمة هذه العوامل العلاقة التي تجمعه بأبيه الحاج مهدي القائمة على بطش السلطة من قبل الأب في مقابل الخوف الشديد الذي ينتاب الإبن من الأب السلطوي. هذه العلاقة جعلت أحمد بن الحاج مهدي يعيش نوعا من الصراع الداخلي، والإرهاق النفسي، و بالوقوف عند الإشارات النصية التالية يمكننا رصد حجم الاضطراب النفسي الذي يعانيه أحمد : ( أفلت من العقاب الحقيقي ، ضرب زهروية ليس مؤلما بالمرة ... لم يكلمني الحاج مهدي بشيء ربما لأنه لم يسمع بالأمر ، وربما سمع لكنه أثار الصمت، ... وقد تأتي المناسبة ويجمع لي كل الحساب، ويواجهني به دفعة واحدة ... مهما كان السبب، أشد علي من القتل ذاته ... حدث فجأة بلا مقدمات ولا انتظار، شحمة أذنيّ بين طرفي سبابته وإبهامه، وأنا أرتعش بالذنب دون أن أحدده بالضبط ... زهروبة إذن فضحتني ... وهي لا تدري ما سببت لي من ألم ... هذا ليس عقابا ، خشيتي الكبرى مما قد يأتي فيما بعد ، خشيتي من نفسي ذاتها ، أن تخدعني وتغرر بي ، وتكون تلك آخرتي)²عندما نتمعن هذا المقطع النصي، والحلم الذي افتتح به مبارك ربيع هذه الرواية يتبين بوضوح تام اختلال التوازن النفسي الذي تسبب فيه الحاج مهدي لولده أحمد ، فالمعاملة القاسية التي يعامله بها ، والخوف الذي يزرعه في نفسيته، هي أمور من ضمن أخرى تكبت في اللاشعور لتعيد إنتاج نفسها من جديد عند النوم عبر الأحلام والكوابيس التي تؤرق أحمد و تنكد عليه حياته وتفسد استقراره النفسي.

إذا كان الجنس هو معبر الطفولة إلى الرجولة، فأحمد لم يعبر تجربته الجنسية الأولى عبورا سويا، أي عبورا يؤكد صالحيته للانتقال إلى عالم الرجال. إن امتحان التجربة الجنسية الأولى هذا جاء ليقنع أحمد بضرورة التزام حدود عالمه الطفولي، وألا ينتقل أبدا إلى عالم الرجال الذي هو عالم خاص بالحاج مهدي وأقرانه. كانت تجربة العبور من الطفولة إلى الرجولة عند أحمد مؤلمة وشديدة الانتكاسة وذات الأثر البالغ على نفسيته. فحبه الأول فطومة كانت تلعب معه في الزنقة والدار والكتّاب، وكانت كلما تفتحت واشتد عودها زاد تعلقه بها وحبه لها: (... وكانت فطومة بجانبي، تلعب في الزنقة والدار والكّتاب ...عجب كيف تستدير يوما عن يوم، وكيف يتورد الخدان، ويتحفز الصدر، لعبنا لعبة العرس ... لم تعد لعبة العرس تثيرنا، لكننا بدأنا نعرف رعشة متبادلة ...) ³. 

لكن سرعان ما سيغتصب هذا الحب الذي أصبح يكنه أحمد لفطومة في مهده، حينما أصبحت تشكل هذه الأخيرة موضوعا جنسيا للأب الحاج مهدي، الذي أقدم على الزواج منها: (يتزوجها / نعم، فطومة يتزوجها الحاج مهدي) . ليقذف بذلك بحب ورغبات وذكريات أحمد مع فطومة على قلتها إلى الكبت في مملكته اللاشعورية. ولأن اللاشعور هو المنطقة التي تتخزن فيها كل الرغبات والأشياء التي لم يستطيع الإنسان تحقيقها وإنجازها والتي لا ينساها كما يظن البعض، وإنما يكتبها في هذه المنطقة، فكان لابد لأحمد من كبت كل الرغبات والأشياء التي لم يستطيع عيشها مع حبيبته فطومة، في مقدمتها الجنس في مملكة اللاشعور. 

لكن هذه الرغبات الدفينة سرعان ما ستطفو مجددا على سطح الشعور حينما سيرافق أحمد والده الحاج مهدي وزوجته الجديدة فطومة إلى بيتهما الجديد، حيث ستعود المشاعر القديمة بين أحمد وفطومة إلى الظهور من جديد، ليستأنف الحب بينهما خفية عن الحاج مهدي من النقطة التي توقف فيها قبل الزواج الغادر الذي أعدم عالقتها الجميلة في مهدها. ولأن الحب هو الطريق الذهبي إلى الجنس كان لابد لأحمد وفطومة أن يقعا في لحظات خلوة بالمحظور ليكون بذلك أحمد أوديب الصغير الذي وإن لم يكن نسخة طبقا للأصل من أوديب الذي وقع في حب أمه، فهو كذلك تنطبق عليه العقدة الأوديبية

فمبارك ربيع تماشيا مع حساسية وطبيعة القارئ العربي الذي لن يتقبل التطبيع التام مع عقدة أوديب لأنها تتنافى وقيم وأخلاق المجتمع العربي الإسلامي خفف من وطأة عقدة أوديب في بدر زمانه فجعل أحمد يقع في خيانة أبيه بممارسة الجنس مع زوجة أبيه وليس مع أمه كما هو معروف بالنسبة للعقدة الأوديبية الأصل: (بدأت أتحسس مشاعري القديمة خفية ... مدت أناملها لفمي بزيتونة، ظهر كفها على خدي بلطف تسألني ... ألف رعشة ورعشة... ألف قرب ألف هوة سحيقة بأذرع أربعة التقينا ... هكذا ... بالشفاه. غبت في الحرفة والدوخة والصمت مرتفعا في فضاء ... غبنا لحظات، برهة، عصورا ...) .

وأمام هذا الفعل الممنوع الذي أقدم على ارتكابه أحمد المتمثل في مضاجعة زوجة أبيه الحالية وحبيبته السابقة فطومة، دخل في حرب نفسية رهيبة واختل توازنه النفسي، حيث اختلطت عليه الأمور وتضاربت أفكاره وازدوجت مواقفه ما بين موقف ووجهة نظر شخصية ذاتية ترى أن هذا الفعل حقا وعادلا لأن الحاج مهدي هو المبادر بالإعتداء على عاطفة الحب بينهما. وموقف آخر يخضع لقيم المجتمع ومحكوم بقيم الدين الذي يعتبر ذلك الفعل محظورا ومنبوذا لاختراقه قانون الجسد الديني، وهنا نستحضر آراء المحلل النفسي الشهير "يونغ" حول اللاشعور الذي ميز بين طبقتين أو نوعين منه، أطلق على النوع الأول تسمية اللاشعور أو اللاوعي الشخصي ويتكون من مجموع المواد المكبوتة فيه والتي مصدرها الماضي الفردي للشخص؛ وهي محتويات لم يتمكن الفرد من تحقيقها كالرغبات والميولات والذكريات.... وما تختزنه هذه الطبقة من اللاشعور من المكبوتات تصارع الفرد دائما وبكل الطرق من أجل البروز على سطح الوعي.

 وهذا ما يدفع بالشخص إلى القيام بأفعال منافيه لطبقته الشعورية، مَثَلُ ذلك إقدام أحمد على مضاجعة زوجة أبيه فطومة، فهذا الفعل بالرغم من أن الشعور لا يسمح به لأنه يتنافى مع طبيعة الإنسان السوي جنسيا، كما أنه يتعارض أيضا مع قيم المجتمع المغربي الإسلامي. لكن بوجود قوة كاللاشعور أصبح هذا الفعل ممكنا لأن هذه القوة ليس لديها أية ضوابط أخلاقية أو دينية أو مجتمعية، وهي المسؤولة عن كل الهفوات التي يقع فيها الإنسان كعقدة أوديب مثلا. بينما النوع الثاني أطلق عليه تسمية اللاشعور أو اللاوعي الجمعي، وهو لا يتكون من مواد شخصية، بل يتكون من مواد جماعية على شكل مجموعات موروثة؛ وهي عبارة عن مخلفات نفسية ورثناها عن أسالفنا من البشر  كالأسطورة والدين... وورثنا نحن المسلمون قاعدة مفادها أن ممارسة الجنس مع الأقارب كالأخت والأم وزوجة الأب ... هو من زنا المحارم يحرمها الدين الإسلامي وينبذها المجتمع المسلم. جاء على لسان الراوي أحمد بن الحاج مهدي: (.. أحمد وفطومة زليخان واقفان كالعاريان من ثيابهما، قدت من قبل ومن دبر ومن كل جانب. أخزاكما الله أيها المجرمان. الشيطان نفسه يعجز عن فعلكما) هذه الإشارات النصية تمثل اشتغال اللاشعور الجمعي في رواية بدر زمانه. حيت عمل ربيع مبارك على استحضار قصة يوسف الصديق مع زليخة الواردة في القرآن الكريم وتوظيفها في هذا النص، فأحمد يبرر فعله بأنه خارج عن إرادته، ففطومة راودته عن نفسه كما راودت زليخة يوسف عن نفسه. وفي نفس الوقت يلوم نفسه ويعتبر أن الفعل الذي أقدم عليه يتعارض مع قيم الدين والمجتمع وحتى الشيطان نفسه يعجز عن ارتكاب مثل هذا الفعل.

أمام هذه الإزدواجية في المواقف ما بين وجهة نظر شخصية ذاتية مدعمة من قوة اللاشعور الشخصي، ووجهة نظر جماعية مدعمة من قوة اللاشعور الجمعي، وكلا الرأيين متنافرين إلى حد التناقض، الأول يدافع عن فعل أحمد، ويعتبره حقا، والثاني ينبذ هذا الفعل ويعتبره منافيا لقيم الدين الإسلامي ولسلطة المجتمع، أمام كل هذا وذاك، ظل أحمد يسبح في فلك الحزن والألم النفسي الحاد، بحيث أصبحت تحضره كوابيس في نومه يتخيل فيها نفسه معرضا للهتك من قبل أبيه الحاج مهدي: (... متأبط سكينة عيد الأضحى... فجأة ينزل بحد السكين على نحر أحمد ، يغرزه إلى الأعماق حتى يطل رأسه من الظهر... الحاج مهدي يستل سكينة من النحر، يرفع كيان أحمد الدامي من شعر الرأس بيسراه، كأنه يقيمه ثم يضرب العنق بحد السكين من اليسار إلى اليمين ضربة بتار تفصل الرأس عن الجسد ...)¹ معاناة أحمد الناجمة عن مضاجعته لفطومة استمرت لوقت طويل بعد الواقعة ، وجاءت إما على شكل التهيآت والخوف من أن يفتضح السر المدفون أمام الحاج مهدي ذات يوم ويكون هذا الأمر هو آخرته : (... أحمد . انتفضت. يدعوني، ذعرت. ارتكبت ودرت حولي مرات أبحث عن ماذا؟ أحمد توجهت لا أدري كيف؟ لكنني أدري حقا أن فكرة واحدة كانت هي الخاطر الوحيد الذي يؤلمني ويغزوني مرات مع كل خطوة من مسافة الغرفة للغرفة ... وصلت أخيرا عتبة الغرفة كالمخدر المسطول، قالت... ادخل تتعش. مددت يدي كالمخدر انتبه إلى أنني بعيد عن المائدة، أمرني بأن أجلس قبالته، فعلت دون أن أرى أوأسمع ...)¹¹ وإما على شكل أحلام وكوابيس، فأحمد لم يستطيع تجاوز الحادثة، ولم يستطيع أيضا تجاوز التهيآت والخوف اللذان ينتاباه في اليقظة، لتذهب بذلك كل هذه الأشياء إلى مملكة اللاشعور وتكبت هناك، لكن ولهول ما اقترفه أحمد سرعان ما تعود هذه الأشياء من اللاشعور على شكل أحلام وكوابيس تؤرقه في نومه معلنة عن استمرار مسلسل معاناته في الصباح والمساء، في الليل والنهار، في اليقظة والنوم (...الراحة لا راحة هوس اليقظة والحلم أفيق لأبكي شيء حاد مكتنز أشعر أنه ينضغط في حنجرتي، لا يصعد ولا يهبط ... لماذا لم يأخذوني إلى الشرطة من سنوات أو إلى الخيرية الجهنمية التي كان الحاج مهدي يفزعني بها؟ أعض على يدي، أعض على الفضاء أضرب جبهتي، أبكي وأنتحب، أقاوم ألأ يسمعني أحد. لكن الباب يفتح وأسمع صوت الحاج مهدي: / أحمد، أشعل الضوء / أشعل، أجلس في الفراش متحفزا لا مجال لإخفاء شيء، وجهي ينبئ بحالي يقترب مني وأشعر بها خلفه دون أن أراها تسألني: مالك؟ / يزداد الضغط الحاد على حنجرتي من الداخل بشيء ثاقب مكتنز، ينهرني ...) ¹². 

وأمام هذا الحال الذي أصبح عليه أحمد في منزل أبيه، وأمام هذه الأحلام والتهيآت والكوابيس التي أصبحت تزوره بشكل متكرر، وأمام صمت أحمد عن البوح بما يؤرق خاطره لأبيه، الذي قابله عجز هذا الأخير عن تفسير الحال المتدني نفسيا الذي أصبح عليه ابنه، أمام كل هذا وذاك ما كان للحاج مهدي من حل إلا أن يرسل ابنه أحمد إلى أمه زهروية ظنا منه أن شوقه لها ولإخوته هو المسبب الرئيسي لتدهور الوضع النفسي لأحمد. رغم عودة أحمد ظل دائم الظن بأن فطومة ستكشف سره لأبيه، لكن سرعان ما سيذوب جليد جبل الخوف هذا عند قدوم الحاج مهدي إلى منزل زهروية للعيش فيه من جديد بعد ما هربت زوجته فطومة لتختفي إلى الأبد، لتكون اللحظة التي دخل فيها الحاج مهدي منزل زهروية آخر حلقة في مسلسل الخوف الذي لازم أحمد وأدخله حربا نفسية ليست أقل قيمة من حرب البسوس الشهيرة رغم اختلاف عامل الزمن بين الحربين: (... تقول زهروية مأخوذة وبصو ت ملهوف: مالك؟ حاج مهدي مالك؟ لم يجب لكنه يترنح في عذابه كيف أتحمل وقع الأمر؟ ما أول كلمة يبدأ بها إفضاء سره؟ اعترتني دوخة وبدأت الأرض تميد بي وحركة السقف والجدران في اضطراب .../ فطومة ... مالها؟ غبرات / لم يقل قتلها أو قتلته؟ لم يقل سيقتلني أو أقتله / لم يقل أخبرته بشيء قال غبرت فقط لا غير..) ¹³. 

أما الحاج مهدي يبدو في أزمته العاطفية، بعد فرار زوجته الثانية على أنه طعن طعنة لا شفاء منها لكرامته كرجل في مجتمع أبوي، يحكمه حتى النخاع قانون كرامة الرجال. حيث اختار في نهاية المطاف الإستجابة التي غالبا ما يختارها ضحايا الجرح النرجسي، إذ أعلن بذاته الحداد على ذاته وحبس نفسه في سجن اختياري، وقرر أن يدفن نفسه حيا، وأقسم يمينا ألا يخرج للناس طالبا من أهله أن يحسبوه من الحريم. لكن عجز الحاج مهدي عن الخروج إلى الناس لم يوازيه عجز في السطلة والأمر: (.. المفارقة العظمى أن عجز الحاج مهدي لم يوازه عجز في السلطة والأمر، لا. بقدر ما تضخم العجز تضخمت السلطة، وذاقت بنا حرية الحركة ...) ¹. 

ورغم استمرار الحاج مهدي في ممارسة السلطة بواسطة زهروية التي أصبحت الناطق الرسمي باسمه إلا أن قسوته لم يكن لها أثر سلبي في نفسية أحمد كما كان الحال سابقا، هذا الأمر مكّن أحمد من الخروج من مخلفات الأزمات النفسية الحادة التي عاشها في طفولته شيئا فشيء، فلم تعد تزوره الأحلام والكوابيس والتهيآت، ولم يعد يهذي، وحتى وإن زارته أحلام  في نومه فهي أقل وطأة من التي كانت تزوره في طفولته الحزينة: (... لا أدري أية قوة أصبحت في كياني الضعيف ... أول عراك ينشب بيني وبين أخي محمد تذوب سنوات العمر الفارقة بيننا ... أجد نفسي جاثما فوقه أكثم أنفاسه، أضغط على حنجرته بكلتا يدي ... زهروية تصرخ ولا تستطيع أن تتدخل الحاج مهدي أيضا ... لا يتدخل. لا بأمر ولا بنهي، أشعر به مبتهجا بانتصاري له على محمد الذي أساء إليه ... يشجعني هذا الشعور على أن أزداد ضغطا على رقبة محمد ... أشعر باختناق محمد يخنقني، وألمه يدق رقبتي، فأستغيث، أستغيث وأفيق مطوي الرقبة) ¹

مرت سنوات من حياة أحمد تخللها النجاح في الدراسة، وحصوله على عمل، كما أنه حافظ على استقراره وتوازنه النفسي عبر كبت مخلفات أزماته النفسية التي عاشها في الطفولة في منطقة اللاشعور، ولم تعد لتظهر على سطح الوعي من جديد ولا بأي شكل من الأشكال القاسية التي كانت تظهر بها طيلة سنوات خلت. لكن شيئا ما حدث ليقلب حياة أحمد واستقراره النفسي رأسا على عقب، فما هذا الشيء إلا التجربة الجنسية الثانية التي سيخوضها أحمد. نعم إنه امتحان الجنس الذي فشل في اجتيازه في المناسبة الأولى ليدخل على إثر ذلك حربا نفسية طويلة المدى، خلفت في نفسه جروحا غائرة، تطلب مداواتها سنوات عديدة. ها هو مرة أخرى يجد نفسه أمام امتحان آخر من نفس النوع، لكنه أكثر صعوبة من سابقه.

إن ظهور عائشة في حياة أحمد أدخله في نوع من الإمتحان النفسي، كيف لا وهو الذي وجد نفسه أمام عودة ذكريات الطفولة الأليمة إليه مجددا والتي كان قد دفنها وكبتها في اللاشعور، فعائشة لو جعلها أحمد موضوعا جنسيا له ستذكره بحبه الأول فطومة التي لم ينعم معها بالتوازن النفسي والاستقرار قط. لكن مع رغبة أمه زهروية في تزويجه، والتي استعملت كل الأسلحة لكسب مشروعها، وذلك من إبراز لمحاسن عائشة وكذا إبراز طاعة أحمد لها والضغط على أحمد للزواج من عائشة. وكذلك إرضاء والد أحمد مرهون بقبوله الزواج من عائشة. فأحمد يستمد قوته من والده كلما تذكره، لكل هذه الأسباب ما كان أمام أحمد من حل غير قبول هذا الزواج.

مثلما درب أحمد ابن الحاج مهدي نفسه أن يكون رجلا لتلبية حاجيات الأسرة بعدما أن تدهور وضعها المادي، وبعدما فشل في تدريب الجنس الأول الذي كان ليدخله عالم الرجولة من بابه الواسع. كذلك درب نفسه أن يكون زوجا لتلبية رغبة أمه في عدم فقدان عائشة بنت أختها بعدما وصلت لسن الزواج، فعائشة بنت الخالة التي كانت في خدمة البيت والمريض الحاج مهدي، ما كان لها أن تستمر في أداء دورها، وقد باتت في سن الزواج، إلا إذا وجدت لها الأسرة زوجا يبقيها معهم، ومن يكون هذا الزوج إن لم يكن أحمد نفسه : (... عائشة بيض الله سعدها عيننا ويدنا وقلبنا، الحاج مهدي، ما خيب الله ظنه رزق بنتا من صلبه في آخر عجزه وحياته وأكثر من بنت صلبه ليقر عينا بعائشة الغالية ... بسم الله عليها في يدها وفمها عسل، لا تنطق إلا حلوا طيبا)¹ .

وبالنسبة لأحمد بن الحاج مهدي نجد أن عملية تزويجه تتجرد حتى من عاطفة الحب. لكن ما دامت عائشة قد صارت امرأة أحمد. كان لابد لأحمد أن يدرب نفسه على أن يكون فحلا، رغم إخفاقه في امتحان الفحولة الأول مع فطومة، ورغم أنه يجد نفسه وجها لوجه في مواجهة الذكريات الأليمة التي ستعود من مملكة اللاشعور لتطفو على سطح الشعور مجددا بعد كبت دام سنوات عديدة. رغم هذا وذاك فامتحان الفحولة الثاني لابد لأحمد من اجتيازه، لأن الفحولة هي الجسر الذي لابد أن يعبر فوقه عقد الزواج حتى يسري مفعوله. وهكذا وكما تقتضي أصول المجتمع الأبوي، من ليلة الدخلة الأولى، ومهما تكن الحالة النفسية لأحمد بن الحاج مهدي، فعمل الرجال لابد أن ينجز بهمة وثبات. 

أفلم يضرب الحاج مهدي المثل في الفحولة، عندما حفر بالأمس البعيد في جسد زهروية وفي ذاكرتها لوحة منقوشة من ليلتها، تستحضرها معتزة به وبنفسها، وعندما جعل من ليلته مع فطومة بالأمس القريب شاهدا على فحولة لا تخضع لقانون الزمن أو فارق السن، ولا يشتتها أي ظرف خارج غرفة الدخلة؟ أحمد بن الحاج مهدي لم ينطبق عليه قانون الخلوة بين الزوجين في ليلة زواجه بعائشة، فأبوه لم يفارقه أبدا، سعلته القوية كانت تخترق جدران الغرفة، وكان حضوره القوي في نفس أحمد يؤلمه ويسبب له عذابا نفسيا حادا ويشتت تركيزه على امتحان الفحولة الذي هو بصدد اجتيازه: (تقدمت خطوتي الأولى نحو صدر، حين انتفضت رغما عني. هزتني سعلة فطومة من الحاج مهدي كأنه وراء كتفي! توقفت مذعورا والتفت، تمالكت نفسي، وعدت للباب...

وكانت سعلة الحاج مهدي تتناهى إليّ مخترقة الجدران، تقدمت نحو عروسي، قبلتها قبلة الجبين، قمت أفتح المذياع بحثا عن محطة مرحة، أغطي بها عن استبداد سعلة الحاج مهدي بي. لم أنجح شيئا في ذلك. ولم أنجح بتاتا فيما يجب أن أنجح فيه تلك الليلة) ¹ كما هو واضح من خلال هذه الإشارات النصية أعلاه فإن أحمد بن الحاج مهدي لم يستطع النجاح في امتحانه الجنسي الثاني، (... ولم أنجح بتاتا فيما يجب أن أنجح فيه تلك الليلة) وتضافرت أسباب عديدة لثني أحمد على النجاح في هذا ا الاختبار، مصدرها واحد وهو اللاشعور، فذكريات أحمد القديمة المكبوتة في اللاشعور عن تجربته الجنسية الأولى مع فطومة الفاشلة بفعل الأب الحاج المهدي المستبد كان لابد لها أن تعود وتظهر مجددا على مستوى الشعور أثناء إجراء الامتحان الجنسي الثاني، ليدخل أحمد على إثر ذلك حربا نفسية تخللها العذاب والأم النفسي الحاد لتكون النتيجة فشلا (... طال بي الصبح، طال بي العذاب. حضوره القوي في نفسي يشتت كل شيء، في آخر لحظة، ليعود به إلى الحفر. لم تعد سعلته وحدها تضج في سمعي، بل حركاته القديمة والجديدة، كيانه الضخم وعنفوان القوة بالأمس...) ¹

ونحن نرصد تجليات اللاشعور في حياة أحمد بن الحاج مهدي، نتوقف هذه المرة مع مرحلة مهمة من حياته، ألا وهي مرحلة الأسرة، حيث أصبح أحمد يعيش نوعا من الاستقرار الأسري مع زوجته عائشة وأبنائه، لكن وبالرغم من حياة الاستقرار التي أصبح يعيشها أحمد داخل أسرته، إلا أنه لم يكن ينعم بالاستقرار النفسي أبدا، وخاصة حينما كان ينظر إلى المعاملة القاسية التي كانت تعامل بها عائشة الأبناء، فمع كل تعامل شديد البأس والصرامة لعائشة مع الوالد، يتمزق أحمد ألما، ويفقد استقراره وتوازنه النفسي ويعزى ذلك لذكريات طفولته الممزقة التي عاشها تحت لواء الحاج مهدي، والتي سرعان ما تعود لتطفو على سطح الشعور من جديد بعدما كانت مكبوتة في اللاشعور، فكل تعامل قاسي لعائشة مع الأولاد أمام أنظار أحمد يعيد له ضربا من ذكريات الطفولة الأليمة، والتي كانت اختفت بفعل التقادم في مركز اللاشعور: (.. الخلاف الوحيد الذي بدا بيننا كان حول الأولاد. بدت عائشة قاسية عليهم، شديدة الصرامة معهم في نظري، كنت أتمزق ألما عندما أستشعر ابتئاس مهدي أو أحمد أو فاطمة الصغرى، عندما ينهرون. مجرد شعور، لكنه كان يشنقني لدرجة أفقد معها شهيتي للنوم والطعام) ¹

حب أحمد للأطفال لم يكن ليقتصر على أبنائه فقط، فمع بداية مرحلة حياة السجن تعرف أحمد على المهندس السدراوي، أطلعه هذا الأخير على بعض من تصاميمه المعمارية والتي ينوي تجسيدها على أرض الواقع بعد قضاء عقوبته الحبسية. نالت هذه التصاميم إعجاب أحمد لكنه وقف على عيب وحيد فيها، وهو انعدام فضاءات مخصصة للأطفال في هذه التصاميم. مما يفيد أن الطفل والطفولة على حد سواء أمر يشغل بال أحمد، كيف لا وهو الذي يحمل ذكريات عن طفولته المغتصبة في أعماقه اللاشعورية، لذلك فكلما وجد نفسه أمام أمر متعلق بالطفل تعود هذه الذكريات إلى الشعور مجددا لتحثه على الحرص على طفولة أولاده خاصة، والطفولة عامة من أن يشوبها أي سوء يخرجها عن مسارها الصحيح والسوي، كما حدث في الماضي مع طفولته التي عبث بها والده الحاج المهدي. (... ذكرت له أن كل شيء في تصاميمه هو من كبار وإلى كبار، المنازل والحدائق والطرقات والقناطر. كل شيء جيد، وملاعب الأطفال؟ مراجيحهم؟ مستودعات حاجياتهم؟ مسارحهم ومعاملهم... رملهم، والوحل والعجين الذي يلطخون به جدران وواجهات الدور في أصباغها المصطنعة، والأحجار التي يرمونها فيكسرون زجاج النوافذ المعتم، ويخلقون ضجة الحياة) ² ونحن نرصد اشتغال اللاشعور في رواية بدر زمانه نقف هذه المرة مع اللاشعور الجمعي، ويعزى ظهور هذا المصطلح إلى المحلل النفسي الشهير "غوستاف يونغ" الذي ميز بين طبقتين من اللاشعور؛ طبقة أولى أطلق عليها اسم اللاشعور الشخصي أو الفردي، ولم يختلف فيها عن فرويد كثيرا حيث تحدث هو الآخر عن مجموع الغرائز والرغبات التي لم يستطع الفرد تحقيقها، فتكبت في اللاشعور لتعيد إنتاج نفسها من جديد بصور مختلفة كالأحلام والكوابيس والتهيآت والهذيان، وأما الثانية هي طبقة اللاشعور أو اللاوعي الجمعي، ويتكون من مواد جماعية على شكل مجموعات موروثة يشترك فيها البشر جميعا كالدين و الأسطورة و الثقافة الشعبية²¹ ... ، ويتجلى اللاشعور الجمعي في الرواية في الأسطورة والحكاية الشعبية، حيث عمل المسمى مصطفى لكرد صديق أحمد بن الحاج المهدي في السجن على إلقاء بعض الأساطير التي تتعلق بالفتى بدر الزمان على مسمع السجناء بما فيهم أحمد بأسلوب شعبي ساحر وجد طريقه إلى نفوسهم وتغلغل في أعماقها:

 كل زمانه عنده بدره // اللي يضويه ويعمرو

ما هموه اللي غدروا   // هذا حال الزعمـــــــا

 كل بدر عندو زمانه    // كل قول عندو مكانه

لي غيروا لابد يبانو    //دايرين في الفلك علاما²²

واختلف مجموعة من النقاد بسبب هذا المقطع النصي، حول هوية راوي المحكي الأسطوري في الرواية، حيث قال البعض فيه أنه مجهول الراوي، وذهب البعض الآخر إلى القول بأن مصطفى لكرد هو الراوي الفعلي له. نواصل رصد اشتغال اللاشعور في الرواية، وهذه المرة نقف مع محطة مهمة منه حيث عادت حياة الطفولة الأليمة التي عاشها أحمد بن الحاج المهدي لتظهر من جديد، إذ أصبح يعيش في فترة سجنه على وقع عودة المكبوت في اللاشعور في صيغ مختلفة منها الأحلام والكوابيس...والتي أرهقته وأخلت بتوازنه النفسي ونكدت عليه حياته، وخاصة حينما بدأ الشوق والحنين ل "رجاء"²³ يغمرانه وأصبحت تحضره بشكل مستمر في منامه: (.. رأيت رجاء من بين القضبان تمد إليّ جواز السفر ... تقول تعال نمض بعيدا. رجاء لا يمكن... رجاء. لا تنتظري رجوتك في ذلك منذ سنتين... تزوجي وأنجبي ولا تكفي عن حبي) ².

هذا الحلم ما هو إلا نموذج من أحلام وكوابيس أخرى أخلت بالاستقرار النفسي النسبي الذي عاشه أحمد في بداية فترة حبسه، ليعيش مسلسل الاضطراب النفسي مرة أخرى: (... نهضت الصبح بمزاج يعود لسنوات ما قبل السجن. ها قد عادت محنتي من جديد، بعد أن تيقنت أنها غابت إلى الأبد ²... يجب أن أعترف الآن بأنني أنحدر متراجعا نحو عالمي القديم. لأعترف بذلك بصفة نهائية. مستحيل. يستحيل، شيء من الانتحار أهون من هذه العودة...)²

 

_____________

¹- بدر زمانه، دار نشر المعارف، ط2 ،2019 ،الرباط، ص7، 36 .

²- نفسه، ص11 ،12 .

³ - نفسه ص 19 ،18 .

- نفسه ص 20 39 .

- نسبة إلى أوديب الملك الذي قيل إنه قتل أباه وتزوج بأمه، (انظر كتاب مبادئ التحليل النفسي لفؤاد جالل الباب الحادي عشر ص 99 ).

  - الرواية ، ص 40 ، 38 .

- ك.غ.يونغ، جدلية الأنا واللاوعي، تر: نبيل محسن، دار الحوار للنشر والتوزيع، ط،1997 ،سوريا، ص25 ،26.

- نفسه ص 28 .

- بدر زمانه ، ص 41 .

¹ - نفسه ، ص 41 .

¹¹ - نفسه ، ص 43 ، 44 .

¹² - نفسه ، ص 52 .

¹³ - نفسه ، ص 60 ، 61 .

¹ - نفسه ، ص 66 .

¹ - نفسه ، ص 68 .

¹ - نفسه ، ص 83 .

¹ - نفسه ، ص 87 .

¹ - نفسه ، ص 87 .

¹ - نفسه ، ص 106 .

² - نفسه ، ص 119 .

 ²¹ - ك.غ.يونغ، جدلية الأنا واللاوعي، ص 25، 26.

²² - بدر زمانه ، ص 121 .

²³ - زميلة أحمد في العمل تعرف عليها بعد زواجه من عائشة، فأحبها خفية. انظر ص 175 ، 176 .

² - بدر زمانه ، ص 128 .

² - نفسه ، ص 128 .

 ² - نفسه ، ص 129 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.