أعلان الهيدر

الرئيسية عزالعرب لحكيم بناني يكتب: أخلاق التفاوض والمساومة

عزالعرب لحكيم بناني يكتب: أخلاق التفاوض والمساومة

 

أخلاق التفاوض والمساومة

عزالعرب لحكيم بناني يكتب: أخلاق التفاوض والمساومة

بقلم: عزالعرب لحكيم بناني

تزامنَ الإعلانُ الأمريكي عن مغربية الصحراء مع إعلانِ المغرب عن استعداده لإعادة فتح مكتب اتصالات الذي أغلق في بداية 2000 مع إسرائيل. وتساءلَ بعضُ المحللين السياسيّين عن المغزى من هذا التَّزامُنِ: هل هي صفقة، أم مساومةٌ أم ابتزازٌ؟ يحتملُ التزامُنُ قراءةً سياسيّةً خالصةً تنظُرُ إلى التَّزامُنِ نظرةً إيجابيّةً في إطارِ تَغَيُّرِ موازين القوى على الصعيدِ الدَّولي والحفاظ على مصالحِ المغربِ المُهدَّدةِ؛ وقد اطلعت على آراء كثيرةٍ تُثَمِّنُ التزامنَ حفاظاً على المصلحةِ الوطنية العليا، وقد اعتمدت هذه الآراءُ في مجملها على فكرةِ أنَّ السياسة مسألةُ مصالح وليست مسألةَ أخلاق.

في هذه النقطةِ بالذّاتِ ظهرت آراءٌ معارضةٌ، ضمنا أو علناً، وتعتبر من زاويةٍ أخلاقيةٍ ضيِّقةٍ أنَّ المساومةَ والتنازلَ غيرُ مقبولين.

لن أتطرّقَ هنا إلى اعتراضِ بعضِ المُحللين على "التزامُنِ" من زاوية السياسة الدولية داخل مجلس الأمنِ. أكتفي بتقديم حجَّةٍ بسيطةٍ تفيد أنَّ من يُناصرُ "التزامُنَ" أو يعترضُ عليه من زاوية أخلاقية لا يفهم من الأخلاق غيرَ المبادئَ العامّةَ كأخلاقٍ "موضوعيةٍ"، ولا ينتبه إلى أنَّ الأخلاقَ ليست مسألةَ مبادئ عامة، بل مسألة "مسطرة" procédure، كما هو الحالُ في المسطرة الجنائية التي تختلف عن "نصوص" القانون الجنائي. هنا لا بدَّ لنا أن نُميزَ بين أخلاق "المبادئ" وهي تعني في الفلسفة الإسلامية عامة القضايا الضرورية والذاتية وهي تختلف باختلاف العلوم التي تتسلمُ مبادئها في كلِّ مرّةٍ من علومٍ أخرى من جهة وبين الموازنة بين المبادئ الأخلاقية أثناء اتخاذ قرار ما بين الأطراف الاجتماعيين من جهة ثانية. وإذا ما أردنا تلافي المغالطات والسفسطة علينا أن نحترم العلم من خلال احترام المبادئ التي يقوم عليها؛ كذلك يعني التشبث بالمبادئ في الأخلاق عدم التنازل عنها.

غير أنَّ الفكر الأخلاقي المعاصر يعتبر أنَّ "المبادئ" نقطة البدايةِ كما يوحي بدلك الاشتقاقُ اللغوي، وتظلُّ صالحةً إلى أن تفرضُ مبادئُ أخرى ذاتها في صيرورة المُوازنة بين مبادئ مختلفة. فقد أضَيِّقُ استعمال مبدأ حرية التنقل من أجل الحفاظ على أمن المواطنين، دون أن أعتبرَ حظرَ تطبيق مبدأ حرية التنقل تنازُلا عن حقٍّ من الحقوق الأساسية من زاوية أخلاقية. حينما نقوم بتوظيفِ الأخلاقِ للموازنةِ بين مصالح مختلفةٍ يُعتبرُ التوظيفُ مقبولا إذا ما حاول مراعاة مصالح كلِّ الأطراف، مع العلم أنَّ تَعَذُّرَ تحقيق مصالحِ كلِّ الأطرافِ بنفس القدرِ يفرِضُ قبولَ تنازُلٍ مقبولٍ أخلاقيّاً.

إذا ما فرضنا جدلاً أنَّ تزامُنَ الإعلان الأمريكي مع الإعلان عن إعادة فتح مكتب الاتصالات مع إسرائيل يطرح مشكلةً أخلاقيةً، فإنَّ مسألةَ التزامنِ تدخُلُ من وجهة نظري الشخصية في آليات "التفاوُضِ" التي لا يمكنُها أن تنجح دون تنازلات تحافظُ قدرَ الإمكان عن المصالحِ العليا للأطرافِ القويةِ والضعيفةِ.

من وجهةِ نظرٍ فلسفيّةٍ، يعني التفاوُضُ قبولَ تنازُلٍ compromis. وقد أشارت فيرونيك زانيتي Véronique Zanetti (Toleranz, Velbr¨ck 2020, 73) أستاذةُ الفلسفةِ بجامعة بيلوفيلد صراحةً إلى ذلكَ بالقول إنَّ الناسَ، من زاوية أخلاقيّةٍ، قد ينصرفون عن فعل ما يعتقدون أنه هو الفعلُ الصّحيحُ. ذلكَ أنَّ جميعَ المغاربةِ مع القضيّةِ الفلسطينيةِ، وبصرف النّظرِ عن مواقفهم الشخصية وعن مباركةِ التزامُنِ أو عدمِ مباركته. ومع ذلكَ، قد لا نلجأُ إلى اختيارِ أفضلِ الحلولِ، إذا ما نظرنا إليها "في المُطلقِ" dans l’absolu. وقد نختارُ حلاًّ ثانياً بما أنّهُ مقبولٌ من لدن أطراف التفاوُضِ. هذا ما يُدعى "تنازلاً أخلاقيّاً"، مع أنَّ العبارةَ العربيةَ تشي بنكهةٍ سلبيّةٍ غير موجودةٍ في المعجم الفرنسيcompromis moral، والسَّببُ هو أنَّ الفرنسيةَ تُمَيِّزُ بين التنازل الأخلاقي (المقبول ولو على مضض) compromis والتنازلِ غير الأخلاقي compromission (غير المقبول)؛ وأظنُّ أنَّ عدم التمييز بينهما في العربية جعلَ أيَّ تنازلٍ عن المبادئ (الصالحة إلى حين) تنازُلاً عن الأخلاق؛ وهذا ما لم يُشجع على انتشار ثقافة التفاوُضِ.

لا تسمح المناقشة الفلسفيةِ بالبتِّ في قضايا سياسيّةٍ تدخُلُ في اختصاصاتٍ أخرى، ولكنها تكتفي بالتساؤلِ متى يصبح التفاوُضُ ضروريّاً؟ أظنُّ أنه لا معنى للتفاوُضِ إلا إذا ما اقتنعنا أنه لا يوجدُ اليوم أيُّ حلٍّ واقعيٍّ خارجَ المفاوضاتِ (لا يتدخلُ هذا الاقتناع في الشؤون الخارجيّةِ للدُّولِ ولكنه يساهم في اتخاذِ القراراتِ السياديّةِ). بناءً على التقديرِ الذّاتي لقوةِ الموقف العربي اتّجاهَ القضية العربية الأولى، نقومُ كذلكِ بالتقييم الذاتي للموقف السياسي الذي اتخذته الولايات المتحدةُ الأمريكيةُ، وهو موقفٌ لا يمكنه إلا أن يكون إيجابياً، بحكم الأولوية المطلقةُ التي يحظى بها تحريرُ المحتَجَزين في المخيمات وإشراكهم في صيرورة بناءِ الوطن. من هذه الزاوية، يقوم التفاوُضُ والتحكيمُ والتنازُلُ والوساطةُ على أسسٍ أخلاقيةٍ تسمح بمواصلةِ التفاوضِ على امتداد الزمن، ولا يبقى في مقابل التفاوَضِ بديلٌ آخرُ غير الحرب، وهو بديلٌ لا يرغبُ فيه أحدٌ، حتى في صفوف من يعترضُ على التفاوُضِ.

عزالعرب لحكيم بناني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.