أعلان الهيدر

الرئيسية الباحثة هيبة مسعودي تكتب: في الارتداد الأنا إلى العزلة والانعزال

الباحثة هيبة مسعودي تكتب: في الارتداد الأنا إلى العزلة والانعزال

 الباحثة هيبة مسعودي تكتب: في الارتداد الأنا  إلى العزلة والانعزال 

في الارتداد الأنا  إلى العزلة والانعزال
" الحب هو وحدتي مع الغير ووحدة الغير معي" هيغل

الباحثة هيبة مسعودي تكتب: في الارتداد الأنا  إلى العزلة والانعزال

هيبة مسعودي 

باحثة من تونس


عميقة هي المراجعات التي تحدثها الأزمات في المسارات الفكرية للإنسان. والأزمة بماهي وقف في مسار ما أو " الشّدة والقحط[1]" تصلح للتوقّف والتشخيص لاتخاذ "القرار الحاسم[2]" لذلك باتت حاجتنا إلى مراجعات عميقة مطلبا مُلّ حا لأنّ الأوبئة كما الحروب الشاملة كانت ولاتزال أزمات تحدث نقطة فارقة في التاريخ البشري. فأيّ مراجعات ستجبرنا عليها الكورونا؟ وهل هذا الوباء كفيل برسم جادة مغايرة على الإنسان المعاصر تدبّر أمر السير فيها ؟ وأيّ إعادة تشكيل  transfigurationعلى الأنا الخضوع إليها؟ أي هل الأنا ذاتها قبل وأثناء الكورونا بما أنّ الحديث عن مابعديات الوباء مازالت فراضيّة ضبابية؟  

هي أسئلة لابّد أن نزّج بها داخل الحركة الفكريّة الفلسفيّة. فالأنا مدعوة في كل مرحلة إلى تنشيط ذاتها وإعادة التفكير في علاقاتها المتباينة في ظّل واقع متحوّل لأنّها ليست نفسها في كل مرّة. و لزام عليها أنْ تكون "وليدة عصرها" في بعث للقول الهيغلي من جديد. هذه الراهنية الفكرية المطالبة بالتحرّك وفقها تتطلب مراجعات قاسية في بعض الأحيان في علاقة بالآخر، بالأشياء وبالعالم. فأيّ رجّة ألزمت لأنا بإعادة التشكّل؟

 كان العالم في ماقبل الكوفيد19 يسير على درب الكوجيتو الفينومولوجي المنفتح الذي أثّث الباحة التواصلية للإنسان المعاصر بعد تجاوز الكوجيتو الديكارتي المنغلق، فغدا التواصل مسلّمة حيوية لا نخشى استمراريتها لترتّسم "الأنا المركبة" لأنّ الأنا لم تعد متعالية أو مستقلّة عن الآخر كما خيّل لنا سابقا. فمسألة الاستقلالية لا نتحدّث عنها إلا في شيء من المجازية أو المثالية المنتهية الصلوحية قبل الوباء . فثّمة شيء من الاشتراك الداخلي أو ضرب من الاقتسام الحميمي المحرك للأنا لتكون ديمقراطية إلى أبعد ما نتصوّر في تنضيدها للعلاقات الممكنة مع الآخر. إنّ الأنا كانت محل إشتراك بين ذاتها والآخرين الأكثر قربا دون أن تتخلى عن" الحديقة السرية" وفق عبارة غاستون برجييه. لكن هل مازال الانفتاح مطلبا إنسانيّا في ظلّ الأنا الموبوءة والآخر الحامل للفيروس؟

ههنا ثّمة كوجيتو ديكارتي منغلق نستعيده ضمن طرح الأنانة le solipsisme من أجل التنشيط وجعله مستجيبا لواقعنا. لم تعد" الأنا وحدي" خيارا بالنسبة إلى إنسان الحاضر، بل إلزاما يضمن البقاء وهي إستراتيجية ناجعة لكائن الكوناتوسconatus  كما يعرفه سبينوزا بإعتباره قد قُدّ من" نزوع إلى الدوام إلى الاستمرارية في الوجود، هنا تصير ماهيته (الإنسان) محدّدة بوصفها ميلا إلى هذا الإستمرار[3]"فما عاد الانفتاح مطلب الإنسان الكوني زمن الوباء وإنّما غدا الانعزال أمارة وجودية ضامنة للاستمرارية الحياتية. "أنا منعزل، أنا متوقي، إذن أنا موجود" هو الكوجيتو الذي علينا اعتناقه في زماكنية كونية تتوجّس خيفة من نهاية أبوكالبسية .

غير أنّ كوجيتو الانعزال كوقاية للوجود، يظّل ضبابيا، حينما يتعلق الأمر بالفضاءات الأكثر حميمية بالنسبة للأنا لأنّ الآخر ليس بالضرورة الغريب عنّي بل قد يكون محددا لهويّتي الشخصية. أيّ انعزال ستحافظ عليه الأنانة حينما تكون قبلة الاشتراك الأسري؟ هل ثّمة انعزال أكثر اجحافا سيرافقنا إلى فضاءاتنا الأكثر خصوصية؟

تكتب حنا آرنت في سياق التربية عن الأسرة ما يلي "الأسرة التي يعود أعضاؤها الكبار يوميّا من العالم الخارجي وينعزلون في أمن حياتهم الخاصة بين أربعة جدران.[4]" منصصّة بذلك على أهمية البيت بإعتباره مأمن حميمي للأنا إلى حدود تاريخ قريب،" هذه الجدران الأربعة التي يحيا الناس بينها حياتهم الخاصة، هي بمثابة درع واقية، وخصوصا من الناحية العامة للعالم. إنها تحيط بمكان آمن، لا يستطيع شيء حي أن يزدهر من دونه.[5]" ههنا نصطدم بطرح رومنسي للبيت قد أصابه الاهتراء مما يتوجب  إخضاعه إلى التجديد لأنّ لا شيء بات آمنا في العالم غير السائل المطهر. ولا حصن تحتمي به الأنا حينما يكون عدوها لامرئيا.

 ثّمة مراجعات عليها أن تحدث حتى في مفهوم البيت الذي لم يعد قائما على شروط إمكان الراحة، وإنّما قابليته للتطّهر والتوقي في آن. إنّه فضاء آمن متى كان في منآى عن الحروب الجرثومية لكنّه ليس كذلك حينما تُفتح أبوبه وتدوس بلاطه أحذية مارست تمارين المشي في شوارع اليومي. إنّ الكورونا طاردت الأنا حتى طّبقت عليها الانعزال المتقع  ضربا لكل قابلية للتوزيعية والإشتراك. إنّنا نقف على إلزامية الإنعزال في الفضاء الحميمي. فهل العزلة هي شرط المحافظة على البقاء في عوالم تنهشها الكورونا؟ وهل قدر الإنسان أن يرتّد إلى التقوقع من جديد؟ 

 



[1] -_ بحثّنا في معنى الأزمة في المعجم  لسّان العرب، فوجدنا التالي" مشتّقة من فعل أزم و" الأزم شدّة العضّ بالفم كلّه، وقيل بالأنياب والأنياب هي الأوازم . والأزمة هي "الشدّة والقحط." لمزيد الإطلاع انظر:

-      ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر للطباعة والنّشر، الطبعة السابعة،2011.

[2] بالعودة إلى أصل مصطلح Krisis الإغريقي، نجد فيه أصولا طبيّة حيث يعني "الاختيار والحسم في القرار" أثناء تطوّر مرض ما. في كتاب " أزمة الفنّ المعاصر"، يكتب إيف ميشو حول مفهوم الأزمة " في الطب أو في ميادين أخرى، الأزمة هي اللحظة الحاسمة من عملية ما" انظر:

_ Michaud (Yves), La crise de l’art contemporain. La fin d’une utopie, Paris, PUF, 1997, p132.

[3]  دولوز، سبينوزا فلسفة عملية، ترجمة عادل حدجامي، ص79.

[4]  آرنت (حنا)، بين الماضي والمستقبل،ص252.

[5]  مصدر نفسه، ص253.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.