أعلان الهيدر

الرئيسية عزالعرب لحكيم بناني يكتب: الحوار بين الأديان

عزالعرب لحكيم بناني يكتب: الحوار بين الأديان

 عزالعرب لحكيم بناني يكتب: الحوار بين الأديان 

عزالعرب لحكيم بناني يكتب: الحوار بين الأديان


كان الحوار بين الأديان يتخذ في الغالب صبغة الهجوم المباشر على مبادئ الديانات الأخرى، لاسيما بحكم طبيعة علاقة القرابة الموجودة بين الديانات السماوية الثلاث. وإذا ما ألقينا نظرة واحدة على المؤلفات التي كتبت في الموضوع باللغة العربية وباللغات الأجنبية الأخرى، سنكتشف أنَّ السجال بين الأديان كان واقعا قائما ومستمرا عبر الزمان إلى يوم الدين. والفرق الذي نجده اليوم بين المناصرين للإسلام اليوم والمدافعين عن الشريعة السمحاء في عصور الإسلام الزاهية في بغداد وقرطبة وفاس وغيرها من العواصم الثقافية هو أن السجال كان يدور بين العلماء عن علم، بينما نزل مستوى السجال الديني اليوم إلى مستوى مساجلات عاطفية وانفعالية بين رجال السياسة لاكتساب أصوات إضافية وشيوخ الزوايا لاكتساب مزيدٍ من المريدين.

هذا ما يُنذِرُ بغياب الفكر واستقالة العقل لدينا في بلادنا الإسلامية. يحلو لرجال السياسة الأوروبيين أن يقولوا ما شاءوا لأنهم ليسوا أهل فكر ولا تخصص في هذه المجالات الدينية الشائكة، ولا يلجأ المواطن الأوروبي إلى رجال السياسة من ذوي جلدتهم للنهل من معين المعرفة بل يعود إلى المصادر الكبرى وإلى رجال العلم والتخصص. وإذا ما اندلعت مساجلات فكرية فهي تكون مساجلات بين أهل الفكر المتخصصين.

ونحن في بلادنا نتعقب أقوال رجال السياسة التي تصدر في بلاطات الرؤساء أو عشية الانتخابات، وننسى أن نعود إلى المساجلات الحقيقية الموجودة في كتب "الرُّدود" على النصارى أو في كتب نقد القرآن.

يكفي لنا أن نعود إلى المصادر اللاتينية في الكنيسة المسيحية الشرقية لنكتشف كم كان السجال قويا بين رجال الدين بخصوص صحة الأديان السماوية، بل وكان الإسلام يُعتَبَرُ في بعض الأحيان استمراريّةً طبيعيّةً للمسيحية، ويكاد يكون قطرةً منها. كان هذا هو رأي يوحنا الدمشقي Johannes of Damascus (750) ورأي البطريق النسطوري تيموتيه Timothus 785 ورأي أبو قرة 800 ورأي أبو نوح الأنباري، وقد كتب رسالة في الوحدانية وأخرى في عقيدة التثليث. أحيل هنا على مرجع رشيد حداد باللغة الفرنسية:

Rachid Haddad : La trinité divine chez les théologiens arabes(750- 1050), Beauchesne Religions, Paris, 1985. p. 59.

كانت المساجلات تتخذ في الغالب صبغة انفعالية عاطفية ضد الكتب المقدسة.

كما واجه ابن حزم الأندلسي (994-1064)كتابات ابن النغريلة اليهودي في رسائله التي نشرها إحسان عباس، حينما قام ابن النغريلة في الأندلس بنقد القرآن في جوانب كثيرة لا حاجة لذكرها. وقد قام ابن حزم بكتابة رسائل تردُّ على انتقاداته، وواجه النصوص المكتوبة بالنصوص المكتوبة من نفس الجنس.

وإذا ما رجعنا بأذهاننا إلى النهضة الأوروبية وبدايات العصر الحديث، نكتشف شيئاً غريباً وهو أن المسيحيين بوجه خاص اعتادوا على مواجهة الإسلام من خلال وضع عناوين بارزة تنتقد القرآن أو تزعم الكشف عن أخطاء نبي الإسلام ، كما ظهر ذلك مع ديونيسيوس Dionysius 1454 ويوحنا السيقوفي الإسباني Johannes von Segovia ويوحنا التوركيمادي 1459 وغالبا ما وصف الرسول بعبارات قدحية أي بألفاظ غير مقبولة. وقد ظلت هذه المساجلات مستمرة إلى بداية القرن العشرين، بعد المساجلات التي دارت بين محمد عبده وفرح أنطوان. وتوجد مراجع لامتناهية لتأريخ المساجلات بين أنصار الديانات السماوية الثلاث في المصادر الأجنبية.

بطبيعة الحال، إن الهدف من هذه التدوينة هو إبراز أن المساجلات كانت بين رجال الكنيسة وأحبار اليهود وعلماء الإسلام، وظلت في مستوى فكري لا تتجرأ عامة الناس ولا رجال السياسة على الخوض فيه. وكان علماء الإسلام بارعين في نلك المساجلات لأن بعضهم كان يمتلك معرفة جيدة بديانته الأصلية (اليهودية أو المسيحية) التي كانت ديانته وديانة آبائه قبل أن يعتنقوا الإسلام (مثال ابن حزم الأندلسي). كما لم تتحول تلك المساجلات يوما ما إلى حرب دينية يذكيها رجال السياسة وتذكيها الصراعات المذهبية.

يقع المواطن اليوم بسهولةٍ ضحية هذه المساجلات حينما يفضل الاستماع لرجال السياسة ويعطيهم أكثر مما يستحقون بدل الاستماع إلى رجال العلم. والسبب هو أننا لا نزال نعتبر في لاوعينا الجماعي أن رجال السياسة والمال والأعمال أكثر أهمية من رجال العلم، وأن المساجلات في المنابر

الإعلامية والمحافل السياسية أكثر أهمية من المقالات العلمية المدبجة وفق آليات الصرامة الأكاديمية.

النتيجة هي أنه يوجد من بيننا من يجهر بالقول "اللهم هذا منكر !" ويعتبر عن جهل أن هذه المساجلات طارئة ولم تكن موجودة في التاريخ الإسلامي؛

والنتيجة هي أننا لم نستفد من أخلاق العلماء الذين كانوا يواجهون النقد المباشر للعقائد الإسلامية بما يكفي من الحجج القوية وسعة الصدر والأخلاق العالية والميل إلى السلم، كما نجد ذلك في كتب الرُّدود على النصارى، وهو ما أبقى على وجود الحضارة الإسلامية. ننسى أن الوسيلة الوحيدة التي أبقت على وجود الحضارة الإسلامية هي مواجهة الخصوم بسلاح العلم ومواجهة الحجة بالحجة. فلو كنا قد اعتمدنا السيوف وتحول العلماء إلى مقاتلين بالسيف لظل الإسلام مستمراً في الوجود ولكن بدون حضارة حاضنة.

في هذه الظروف العصيبة، نريد أن نخلق المناخ السليم من أجل تجاوز معضلات التربية والتعليم وخطر تراجع المستوى التعليمي بسبب كورونا. نريد أن نواجه ثقافة التعصب والإسلاموفوبيا بنفس السلاح الذي استعمله أجدادنا. لكن يبدو أننا بعيدون عن إرث السلف الصالح.

ذلك أن عيبنا الكبير أننا أمة لا تقرأ، فلو قرأنا أعمال عبد المجيد الشرفي وأحمد شحلان وبرنارد لويس لاستطعنا أن نواجه الغرب بنفس سلاحه الفتاك، وهو سلاح العلم والمعرفة والحوار مع العلماء والباحثين، حتى ندع رجال السياسة وشأنهم في غيهم يعمهون. وأختم كلامي بقول برنارد لويس في حق التسامح الذي عرفته بلاد الأندلس قبل أن يعرفه الغرب مضطرّاً إلى ذلك في أعقاب الحروب الأهلية الدينية (1629- 1649):

„Until the twentieth century, when the positions of both jews and Muslims underwent radical change, the term „Judaeo-Islamic“ is at least as meaningful and as valid as „Judaeo-Christian“ to connote a parallel and in many ways comparable cultural tradition.“ Bernard Lewis : The Jews of Islam. Princeton U. Press, 1984, p. X

عزالعرب لحكيم بناني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.