U3F1ZWV6ZTEwMDgxNjE3NDUyNzYzX0ZyZWU2MzYwMzU2MDU1MTQ5
آخر المواضيع

الباحثة لبنى بن البوعزاوي تكتب: لا بديل عن العقل إلا العقل

 

لا بديل عن العقل إلا العقل

 

الباحثة لبنى بن البوعزاوي تكتب: لا بديل عن العقل إلا العقل

بقلم: لبنى بن البوعزاوي

 

لقد عرف نقد يورغن هابرماس للعقل اهتماما كبيرا، تعالت حوله الكثير من الأصوات الفلسفية والاجتماعية النقدية باعتباره نقدا شكل منعطفا حاسما في الفكر النقدي الفلسفي المعاصر؛ عمل على رد الاعتبار للعقل بوصفه السلاح الأقوى في مواجهة النزعات اللاعقلانية، بعدما تم تنميطه ولا سيما تقزيمه وتقليصه إلى مجرد أداة  تنظر إلى الطبيعة والواقع من منظور التماثل، كما تنظر إلى الإنسان من منظور التشييء ولا تهتم بخصوصيته وتفرده، إذ تعتبره جزءا كباقي الأجزاء الطبيعية المادية الأخرى. فهو نقد إذن موجه إلى فساد العقل وانحرافه نحو اللاعقل، وليس إلى العقل ذاته. إنه نقد يروم إلى تجاوز ذاتية العقل وأداتيته وكذا أحاديته التي مثلت عائقا أمام موضوعيته جراء التسلط التقني الذي ساد المجتمعات الصناعية الحديثة إلى درجة سلب فرادة الإنسان، واحتواء قيمته الذاتية، وابتلاع حتى قدرته على التفكير إلى أن صار غير قادر على التصرف بذكاء أمام الوضعيات الجديدة ولا على إعادة صياغة هويته. ويرجع الاهتمام في هذا الصدد بفكر هابرماس، إلى الطابع التوجيهي الذي تتميز به فلسفته وسعيه المستمر إلى ربط النظرية بالممارسة بحيث؛ لم يكتف بنقد العقل من أجل النقد، بل كأفق يدعو من خلاله إلى التحرر والانعتاق من قيود ذاتية العقل ونمطيته قصد رد الاعتبار لهوية الإنسان، ليس بوصفه ذاتا منتجة أو فاعلة في التاريخ، بل بوصفه كائنا اجتماعيا تواصليا سعيا إلى استبدال العقل الأداتي بعقل تواصلي. وهل هناك أي بديل للعقل غير العقل؟ أوليس العقل التواصلي بديلاً عن العقل الأداتي؟ ثم كيف يمكن بالتالي للعقل التواصلي أن يحرر الإنسان من قيد العقل التقني؟.

يمكن اعتبار نقد هابرماس للعقل الأداتي بمثابة محاولة لتجديد دلالة العقل وتحويله من عقل أداتي إلى عقل حواري تواصلي قائم على الاتفاق الذي يصوغه المجال العمومي، وفي هذا المضمار نجده يميز في كتابه "المعرفة والمصلحة" بين ثلاثة أصناف من المعارف تقابلها ثلاثة أنواع من المصالح: أولها المعرفة العلمية التجريبية التحليلية(العلوم الرياضية، والعلوم الفزيائية وتطبيقاتها) وتمثل العلوم ذات البعد المصلحي التقني(1)، وهدفها السيطرة على الطبيعة لصالح حاجات الإنسان، وعمادها في ذلك العقل الأداتي. ثانيها المعارف العلمية متمثلة في العلوم التاريخية والتأويلية وكل العلوم التي تحقق التفاعل البشري كما هو شأن اللغة مثلا والتي تكون غايتها تحقيق التواصل والتفاعل بين الناس في إطار عمومي، وعمادها العقل التواصلي. وثالثها المعارف التحريرية (العلوم الاجتماعية والفلسفة) والتي تهدف إلى تمكين الناس من التحكم في دواليب السلطة والمجتمع، وتحريرهم من الاستلاب بمعناه العام، وعمادها هو العقل النقدي.

ومن هذا المنطلق يحدثنا هابرماس عن الدولة ذات الطابع التدخلي؛ حيث تنغمس في الحجور الوظيفية للسوق"(2) التي تسيطر على مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتحولها إلى أدوات لتحقيق أقصى كفاءة للمؤسسات التي تديرها وتضفي على العقل طابعا وضعيا وتقنيا في مختلف ممارساته بهدف قولبة المجال الاجتماعي والإنساني، حتى صارت كل أنشطته خاضعة لإيقاع التطور العلمي والتقني. بحسب هابرماس، لقد أحل المجتمع الصناعي الحديث إيديولوجيا العلم والتكنولوجيا محل الوسائل التبريرية التقليدية والمعتقدات والأسس المستعملة في تبرير السلطة"(3) وذلك ما عبر عنه "ترنت شروير" بقوله: " إننا قيدنا أنفسنا في مفهوم أداتي للعقل حيث عملت أحاديته على تقليص قدرتنا على التصرف بذكاء في الوضعيات الجديدة؛ كون تمركزه حول الذات وانحرافه نحو اللاعقل أضحيا يشكلان عائقا أمام قدرتنا في التعرف على الدلالة السوسيوثقافية لأفعالنا. ومن ثم صرنا نتحول شيئا فشيئا باعتبارنا شعبا إلى أناس غير قادرين على إعادة صياغة هويتنا، ولا على إعادة النظر في قيمنا وأفعالنا ومؤسساتنا(4)

لا يسعى هابرماس من خلال تركيزه على المستوى الإيديولوجي في تحليله لتدخل الدولة الرأسمالية المتقدمة في سياق إبراز التفكك البنيوي للمجتمع إلى إلغاء الدولة في حد ذاتها، وإنما يتوجه بالنقد إلى شكل الدولة في الرأسمالية المتقدمة بما هي تجسيد لأزمة العقلانية التي غدت مشكلات الحياة الاجتماعية فيها تفهم على أنها مشكلات تقنية تجد حلولها في العقلانية الأداتية حيث "يجد العقل المتمركز حول الذات قواعد العقلانية انطلاقا من مقاييس الحقيقة والنجاح باعتبارهما يعدلان العلاقات التي تقيمها الذات العارفة والفاعلة لقصد ما مع عالم الأشياء الممكنة أو مع حالات الشيء"(5). 

فالتحرر والانعتاق من قيد العقلانية التقنية إذن بالنسبة لهابرماس يكمنان في الكشف عن الوسائل التي تشوش على التواصل، وفي البحث عن سبل لتحرير المجال الاجتماعي من الشوائب الإيديولوجية التي تشوش على التواصل داخل الفضاء الاجتماعي. ولعل هذا ما تعنيه العقلانية لدى هابرماس التي اعتبرها "منافحة عن العقل بما هو ملاذا وحيدا أوحدا، شريطة الوعي بضرورة تجديده؛ وذلك بنقل عنصر الثقل فيه من المسلك الأداتي إلى الحوارية التواصلية القائمة على النقد، ثم بالبحث في هذا العقل ذاته عن عناصر تمكننا من لحم التمزقات التي خلفتها الحداثة على مستوى المشروعية السياسية والأخلاقية، وذلك باجتراح أسس منه تكون كونية ومتعالية في طبيعتها"(6).

ويقصد هابرماس بالتواصل كما ورد في مقدمة "التقنية والعلم كإيديولوجيا"، ذلك "التفاعل الرمزي الذي يتحقق بين شخصين فاعلين على الأقل ويكون مستندا إلى معايير التداول"(7). ويتحدد التواصل بحسب هذا التعريف في التفاعل البينذاتي، وغايته خلق تفاهم في إطار اجتماعي محدد بين ذاتين أو أكثر، والسند في فعل التواصل هذا يكون هو معايير المشروعية والتفاهم كما يحددها العقل بوصفه أساسا للنظرية الاجتماعية والسياسية والحوارية والديموقراطية. فالتواصل بهذا المعنى هو التبادل اللغوي والبرهاني الذي يتحقق في المجال العمومي، مع الاحتكام إلى ضوابط أخلاقية ومنطقية متوافق عليها تضبط منهجه وغاياته. ولهذا فلا يمكن فصل التواصل عن مفهوم جوهري آخر هو الحجاج.

بناء على ما سلف، يتبين أن العقلانية التواصلية عند هابرماس جاءت لتحل محل العقلانية الأداتية ولتتجاوز المد الاستهلاكي التقنوي الصرف، متجهة صوب أفق الحوار التفاعلي من أجل تأسيس نمط مجتمعي جديد من خلال ديموقراطية تشاركية قوامها التوافق وإيتيقا النقاش. ومن هنا يمكن القول إن أساس العقلانية لدى صاحب العقل التواصلي، يكمن في بعدها التواصلي بغية تجاوز العلاقات القائمة على الإكراه والهيمنة، لخلق وبلورة علاقات اجتماعية سليمة قائمة على الحوار والنقاش والتفاهم في أفق تحقيق الإجماع.

من هنا تستمد عبارة هابرماس: "لا بديل عن العقل إلا العقل"، مشروعيتها. فالانتقال من براديغم العقل الأداتي إلى براديغم العقل التواصلي أعطى للذوات الإنسانية شرعيتها من أجل التواصل في الفضاء العمومي، وطرح كل المشاكل التي يعرفها المجتمع للحوار الهادف المبني على إيتيقا النقاش والمناقشة، التي ترمي إلى التفاهم بين الذوات في أفق تحقيق الإجماع. فما أحوجنا إلى هذا التصور العقلاني الأخلاقي التواصلي، مع ما نشهده من صراعات تعبر عن غياب العقل التواصلي وطغيان العقل الشمولي المتمركز حول الذات، الماس بقيمة الإنسان وكينونته، والرافض لتعدد القيم الإنسانية المشتركة. 


 

 

 

 

الهوامش: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(1) La technique et la Science comme idéologie, Gallimard. Paris. 1973. P.P 28-29.

(2) Jurgen Habemas. Legitimations problème im spatkapitalismus, 1973, page 51. In la société du risque, sur la voie d’une autre modernité. Par ulriche, BECK. Traduit de l’allemand par Laure Bernardi, editions Flammarion, 2001, p 410.

(3)   Paul, Ricoeur. Du texte à l’action, le seuil, 1986, page 374.

(4) TRENT, SCHROYER. CRITIQUe DE LA DOMINATION, ORIGINES ET DEVELOPPEMENT DE LA THEORIE CRITIQUE, traduit de l’américain par JacquES Debouzy, PAYOT, PARIS, 1980, page. 17. ( titre original : the critique of domination, George Braziller, New York. 1973).

(5) Jurgen Habermas. Le discours philosophique de la modernité, Douze conferences. Traduit de l’allemand par Christian Bouchindhomme et rainer Rochlitz, Editions Gallimard, 1988, pages. 37Sq.

بالمعنى الكانطي للكلمة ، أي ما لا يشتق أساسه من التجربة. :(6)

(7) La technique et la Science comme idéologie, Ibid. Page.22. 

 

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة