أعلان الهيدر

الرئيسية شيماء بوعلام تكتب عن: حلاوة التنمر

شيماء بوعلام تكتب عن: حلاوة التنمر

حلاوة التنمر

بقلم: شيماء بوعلام 

شيماء بوعلام تكتب عن: حلاوة التنمر

كثيرة هي الأمور التي اقتنعنا تمام الاقتناع بمقابحها وأضرارها؛ فقط لأن نتائجها تتجه نحو السلب والوَخَم في أغلب الأحيان. لكن ربما علينا أن نستمر في البحث عن شأن قد يغير طريقة تفكيرنا وحكمنا على كل الظواهر التي تحيط بنا. إلا أن هذا البحث لا يمكن أن يكون عشوائيا لأن ذلك يعني الضياع والتيه بين الأحكام والانطباعات؛ بل يجب أن نبحث دائما ضمن الحالات والتجارب المتعلقة بالظاهرة التي نتعقبها خاصة إذا ارتبطت بما يطلق عليه التنمر.

ليس بالغريب أن يكون للتنمر حلاوة؛ لا تنكشف إلا بعد مرارة وبِسِيلَة ولا تنجلي إلا عند من تتوفر فيه شروط الإيجابية والإرادة. وإذا تهتَ بين غوغاء الأسئلة فاطلب الرد من خائض التجربة ومجتاز الامتحان، لذا أشارك اليوم مع القارئ شذرات من تجربتي مع هذه الظاهرة المعقدة ومعاناتي معها عندما لم يكن لي علم بخباياها ولا خُبر بأسرارها، والواقع أنني كنت أحاربها دون أن أفقه وكنت ماضية في طريقي دون أن أفطن. وعندما وصلت إلى نهاية الطريق، صرت أنظر إلى الماضي بعين من العوف والاستهتار بل لم أعد أنظر إليه إلا عندما أرغب في تذكير نفسي بمن أكون.

من الصعب أن يعيش الإنسان وسط دائرة مغلقة يغذيها التنمر والاستهداف الخبيث في كل لحظة، لكن إذا كان المرء يعرٍف نفسه حق المعرفة ويظن بها خيرا فسيستطيع أن يعيش داخل تلك الدائرة بشروطه، فليست الغاية أن يخرج من دائرة التنمر كليا بل الغاية أن يتعامل مع عيشه داخلها بكل حرفية ومهارة إلى أن تصبح تلك الدائرة المنيعة هالة تشجيع وإعجاب.

أتذكر يوم كنت ألعب مع بنات الجيران في بلدتنا بشمال المغرب وحاولت جاهدة أن أتأقلم مع ألعاب الحركة التي كن مستغرقات في أداءها، لكنني لم أستطع مجاراتهن فاقترحت أن نلعب شيئا آخر قريب من الهدوء والمتعة منه إلى الحركة والمتعة أيضا، فاقترحت أن نلعب تمثيلية لبرنامج مسابقات نختار فيه المذيعة ونخترع أمورا مفيدة نتسابق بها كالكتابة أو الرسم أو الغناء أو شيء آخر، لكن كل الأجوبة على اقتراحي تلخصت في ضحك هستيري لم أفهم ما الداعي إليه آنذاك، ثم تصاعد الجواب ليصبح قطيعة بينهم وبيني بدأت منهم وانتهت مني.

لا أتذكر حينها أنني لُمتهن على ما فعلنه أو اشتكيتُ لخالتي بما اعتبرتُ أنهن اقترفنه، لكنني لا أنكر أنني بكيت وامتعضت كثيرا مما حصل. وبتفكير أو بدونه استمريت على نفس السجية والطبع والعقلية دون تغيير، فلم تكن ألعاب الصراخ والحركة الزائدة تروقني ولم أكن من محبي الحديث الكثير فكنت أفضل اللعب باتزان أو الاختلاء أو المشاهدة من بعيد، ليس لأنني كنت غير متفقة تماما مع هذا النوع من اللعب أو التصرفات الطفولية التي لا يمكن مؤاخذتها أو العتاب عليها بكل تأكيد، بل لأنني كنت كذلك لأسباب أخرى أسرية ونفسية عميقة لم تحظ بفهم صغير ولا كبير..

مرت الأيام لأكون من أنا الآن، إنسانة بقيت على عهد طبعها الذي سخر منه الكثيرون لأنها سعيدة كما هي. لكن هؤلاء “الكثيرين” أصبحوا الآن يمدحون تلك الطفلة التي كانت هادئة منشغلة بأمورها وتطلعاتها الخاصة، لا أنكر أنني لم أكن أنتظر مدحا بعد سخرية ولا أنتظر من الناس ردا أو معروفا على الإطلاق لكنه ما حصل بعد سنوات. تنمر معارف الطفولة، ممن سخروا من رؤيتي وحيدة ومنزوية وممن رموني بألفاظ صبيانية من قبيل “معقدة” و”خايبة” و”مكاتعرفش تلعب” .. إلخ..، كان بالنسبة لي بمثابة دافع للتفكير في جدوى ما أفعله وفي حالتي النفسية أيضا؛ ووجدت بعدها أنني لن أتغير لأنني بكل بساطة مختلفة ولا أضر أحدا باختلافي هذا.

استمر التنمر في تقطير عسله المكنون في ينابيع حياتي كل يوم وكانت كل قطرة عسل منه تتبلور لتصبح نورا يوضح معالم طريقي ويمنعني من السقوط. كان عسلا مرا في البداية لكن طعمه تحول ونضج عندما صرت أنا أيضا ناضجة على مستوى التفكير في ماهية الحياة التي ما زلت أبحث عنها. مررت من تجارب عدة وتلقيت أطنانا من التنمر اللفظي والإيحائي، فحمَل اسمي فوق ظهره الكثير من النعوت والألقاب الذميمة وصارت الأعين تتلذذ بضربي بسياط نظراتها المشمئزة. لكن ما كان يشغلني حينها هو البحث عن السبب، فأنا لا أؤذي أحدا ومنعزلة عن كل شيء لأن لدي أهداف تنبهني بتحقيقها كلما تغافلتُ وفكرتُ في أمور أخرى غيرها. وإلى اليوم إذ علمت السبب، لقد كان ذلك التنمر ضروريا في حياتي لأنه كان الطريقة المثلى التي جعلتني أقاتل لتحقيق أحلامي ولطرد كل الوصم الذي لاحقني دون أدنى سبب!.

من يظن أن مُخرجات التعرض للتنمر تتلخص في التوقف عن المضي في الحياة والاكتفاء بلوم الذات والغوص في رحلة بحث عن السبب لدى الآخرين، فهو مخطئ ولا ينعم بالبصيرة التي ستخرجه من غياهب هذا الجب السحيق. فلا بأس أن ينعتك الآخرون بأبشع الأوصاف أو أن ينتقدوا عملك بطريقة لاذعة تظهر حنقهم منك أكثر من رغبتهم في تنبيهك، فذلك امتحان صعب ظاهرا وفي منتهى السهولة باطنا لكننا نستصعبه لأنه يتعلق بأشخاص قريبين منا ويدخلون ضمن دائرتنا المقربة التي لا يمكننا أن نبتعد عنها بشكل مطلق، لكن هذا لا يمنعنا من أن ننأى بأنفسنا بعيدا وأقصد بالنفس هنا كل ما يدور في فلك غير الملموس، خاصة ما يتعلق بالثقة في النفس وبالتركيز على الأفق سواء الشخصي أو المهني.

أتذكر الآن يوم كنت موضوع جدل في الفصل وخاصة في حصة التلفزيون خلال سلك الإجازة، حين وقع علي الاختيار كي أكون مذيعة نشرة الأخبار المقررة ضمن شبكة كنا بصدد إنجازها. قام الفصل ولم يقعد ورفض معظم الطلبة كل الرفض أن يتم اختياري لتلك المهمة وبكل أمانة لا أعرف ما السبب وراء ذلك الاحتقان غير المبرر. لا أنكر أنني انزعجت من ذاك التصرف والذي كان من الممكن أن يكون أكثر تهذيبا وليس بطريقة توحي بتحامل كبير، لكن في لحظة واحدة تبدد كل شعور بالانزعاج انتابني؛ حين سمعت صوتا خلفي يتحدث بخفوت يقصد إسماعي ما يبوح به. قالت الزميلة لصديقتها إنني إنسانة وحيدة وسأبقى كذلك، وإنني لو لم أكن شريرة شمطاء لما كنت وحيدة منعزلة وموضوعة في موقع اشمئزاز واحتقار من طرف الجميع حسب قولها، وأوصاف أخرى أجمل بكثير من ما قالته عني سابقا..

نعم، كان كلامها جميلا وإيجابيا بالنسبة لي لأنني كنت حينها فخورة بنفسي وازددت فخرا بها، خاصة عندما كنت أبحث من حولي عن المحبين فأجد أسرتي وثلة من الأصدقاء الذين اختاروا التعرف علي أولا قبل إصدار الأحكام ، ثم أبحث عن مناصري في ظلمة العزلة فأجد أساتذتي وكبار الصحفيين الذين شجعوني ووضعوا الثقة بقدراتي ومنهم أستاذ مادة التلفزيون الذي اختارني في ذلك التمرين حينها. وبالتالي تأكدت أن ما من أمر أو تصرف سيغير رأيها ذلك الذي لم يكن له أي سبب يذكر، فأنا بعيدة كل البعد عنها ولم أتسبب لها بأذى أبدا، لكن ربما كان السبب كامن في أنني اعتزلت كل ما كان يروج من تفاهة واستخفاف بالمجال الذي كنا ندرسه، وشمرت عن ساعدي وخضت الميدان بكل عزم على النجاح، وهذا ما جعلني أتبوأ المراتب الأولى طيلة سنوات دراستي بالمعهد رغم أصوات الضحك والسخرية التي كانت تتناهى إلى أسماعي في الفصل كلما تفوهت بكلمة!.

كثيرة هي الذكريات من هذا النوع وعديدة تلك التي اتشحت بالألم، خاصة عندما يأتي التنمر من أقرب الأشخاص إليك أو ممن كنت تظنهم كذلك فيصبح الألم ضعفين والحيرة صنفين، حيرة الابتعاد عمن كنت تظنه صديقا أو حبيبا وحيرة تقبّل الألم من عدمه. فآخر شيء تنتظره من شخص تحبه وتكن له المودة هو أن يتهكم على شكلك، أو أن يرفض الخروج معك لبشاعة ثيابك في نظره، أو أن يجدها سهلة ومشروعة أن يقارنك بأحد، أو أن يستميت في محاولة استخراج نقاط ضعفك وإقحامك في حلبة ملاكمة يحاول عبرها أن يلقنك الضربة القاضية في أي لحظة.

الأهم من هذه الذكريات أن كل ما تكتنفه من أشكال التنمر أو الأحكام المسبقة من خلال الشكل أو النظرات أو غيرها، لا يمكنها أن تزحزح ثقة شخص يعرف ما يريده من الحياة ولا يمكنها أن تجعل عسل التنمر علقما مهما حاولت ذلك. لأن من ذاق حلاوة التنمر سيعرف نفسه وسيتقرب منها وسيناصرها ولن يحاول أبدا تغيير نفسه ليلائم شخصا آخر لم يكن ليتنمر عليه لو لم تحط به النواقص من كل حدب وصوب فأراد رميها على الآخرين، ولم يكن ليتنمر عليه لو كان يحبه ويتمنى له الخير، ولم يكن ليفعل لو تقرب منه وتعرف عليه ولم يحكم عليه كما سولت له نفسه!.

إذا رسمت الطريق فاصنع من الشر مصابيح تضيء لك معالمها، وامض عبرها بمنطق رب ضارة نافعة، فأنت من تعيش حياتك وليس الآخرين؛ وأنت من تتسلق سلم العمر وليس من يريدون تكسير أرجله؛ تعلم أن تعطي لنفسك الفرصة الثانية وانتزعها ممن كنت ستعطيه إياها ليخذلك مرة ثانية؛ فأنت أولى بتلك الفرصة. تصالح مع نفسك فعندها ستتعرف على حلاوة التنمر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.