U3F1ZWV6ZTEwMDgxNjE3NDUyNzYzX0ZyZWU2MzYwMzU2MDU1MTQ5
آخر المواضيع

د. عز العرب لحكيم بناني: المسافة بين الفلسفة والعلم في ضوء ابن رشد


المسافة بين الفلسفة والعلم في ضوء ابن رشد


المسافة بين الفلسفة والعلم في ضوء ابن رشد



جاءت هاته الورقة لدكتور عز العرب لحكيم بناني في مداخلته للندوة الرقمية التي نضمتها الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة وجمعية أصدقاء الفلسفة.
أشكر في البداية الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة وجمعية أصدقاء الفلسفة على الدعوة الكريمة إلى لقاء فكري في موضوع المسافة بين الفلسفة والعلم في ضوء ابن رشد.
أعتمد هنا كتاب "الضروري في السياسة" أو "جوامع سياسة أفلاطون" في ترجمة الأستاذ أحمد شحلان 1998 وأسعى إلى تقديم الأرسطية الرشدية في الفلسفة الألمانية من خلال أعمال هانس بلومينبيرغ H. Blumenberg. هدفي هو أن أبرز كيف سارعت المشائية اللاتينية منذ وفاة ابن رشد إلى الاستحواذ على الإرث الرشدي من خلال تحويل "ابن رشد" إلى Averroes. فظهر ابن رشد لاتيني يختلف من بعض الوجوه عن ابن رشد العربي بعد اختفاء النصوص التي فقدت في أصولها العربية وظلت موجودة في الترجمة اللاتينية أو في الترجمة العبرية. والحقيقة أن هدفنا هو أن نسترجع ابن رشد ليصبح فيلسوفا فاعلا في الفكر الفلسفي المعاصر، وهذا ما قد يتحقق إذا ما استفدنا من الفكر الأنجلوساكسوني المعاصر لمناقشة القضايا الجزئية المبثوثة في المتون الرشدية. هذا يعني أنه لا فائدة من قراءة ابن رشد قراءة أفقية وفي ضوء مفاهيم عامة تفتقد إلى أطروحة فلسفية واضحة وإلى زاوية نظر في الفكر الفلسفي.
عندما نناقش المسافة بين الفلسفة والعلم لدى ابن رشد، أدلي بملاحظتين: إذا ما تناولنا مفهوم العلم بالمعنى الدقيق، فإننا نحصره آنذاك في العلوم الدقيقة والرياضيات، والحال أننا قد نتوسع فيه بالمعنى الذي يذهب إليه رورتي وفايررابد وتوماس كون لندخل الفنون والعلوم الاجتماعية والإنسانية في مجال العلم. وهذا ما يسمح بي بالانتقال إلى الملاحظة الثانية، وهي أن الفلسفة قد تتحول بدورها إلى علم، إذا قصدنا من ذلك أنها موضوع بحث علم تقوم به المختبرات الجامعية، من أجل جمع النصوص ودراستها أو دراسة المفاهيم وتاريخ الأفكار في ضوء الأدوات المنهجية المعاصرة. وعليه، أنه يجوز لنا بكلِّ تأكيد أن نتحدث عن "معرفة فلسفية" متراكمة بفضل مكتسبات الدراسات الرشدية المعاصرة والتعاون بين الباحثين والانتقال من جمع النصوص إلى الدراسات التركيبية في ضوء مستجدات البحث في المجال. وعليه، قد يكون من المفيد أن ننظر إلى ابن رشد نظرة إلستيمولوجية معرفية حتى في الكتب التي يبدو أنها تحمل نفسا سياسيا واضحا. يظل الهدف هو أن نبحث عن "سلطة الحجة" من خلال فحص آليات الاستدلال والحجاج العقلاني في الانتقال من مقدمة إلى أخرى (وهذا ما نقدم فكرة بسيطة عنه في هذه التدوينة) عوض أن نستمر في نقاش لا نهاية له حول "حجة السلطة" argument ad hominem بعدما أدمج محمد عابد الجابري "جوامع سياسة أفلاطون" ضمن قضايا العقل السياسي العربي.
لماذا أفضل هذا الاختيار؟ أظن أن السبب واضح: المفاهيم وسلطة الحجة التي يبدعها الفيلسوف هي التي تظل قائمة عبر الزمن؛ وتظل سلطة الفيلسوف قائمة ما دامت حججه الفلسفية قادرة على عبور الأزمنة والأمكنة وما دامت موضوع جدال لا متناه عبر الزمن بحكم سلطتها التي تمارسها على التلقي الجديد في كل مرة. لو كانت حجة السلطة هي التي تبقى لما بقي للفلاسفة أثر، لاسيما وأن أغلبهم كتبوا نصوصهم الكبرى في المنفى أو تحت سلطة الرقابة أو في ظروف الاستبداد وقمع الحريات. ولذلك طور الفلاسفة منذ أفلاطون فن الكتابة بين السطور، كما يقول ليو ستروس، واستطاعوا أن يتحاشوا الرقابة وتخلوا عن نشر أعمالهم الجريئة أثناء حياتهم، سواء مع جون لوك أو هيوم أو ديكارت واسبينوزا وغيرهم كثير. بطبيعة الحال، يجب علينا أن نكون على علم بالظروف السياسية التي أحاطت بهؤلاء الفلاسفة، لكن ذلك لا يغني عن دراسة العلاقة الجدلية القائمة بين بيئة الفيلسوف وقدرته على الانتقال من حجة السلطة إلى سلطة الحجة، كما ننتقل عادة من قانون القوة إلى قوة القانون.
من هذه الزاوية، يبدو أن ابن رشد يدافع عن نظرية العلم وسلطة الحجة حتى في الكتب التي يبدو أنها ذات طابع سياسي عام.
اعتبر بلومينبيرغ أن الرشدية من خلال جوامع سياسة أفلاطون نظرية في العلم أوَّلا، ثم هي قراءة لأفلاطون من خلال أرسطو، أي من خلال الثوابت التي انتقلت إلى العصر الحديث. وفي الأخير، أشير إلى أهمية الأرسطية اليوم، وأنا أنقاد لاشعوريا إلى استحضار للفلاسفة الأنجلوساكسون عامة الذين أعادوا الاعتبار إلى الأرسطية في الأخلاق والمعرفة والوجود.
أنطلق من فكرة الفيلسوف الألماني هانس بلومينبيرغ في كتابه الصادر بدار النشر يوركامب سنة 1996 تحت عنوان Höhlenausgänge وهي أن الرشدية أفضل نسخة أمينة للأرسطية وساهمت في نشأة الفكر العلمي الحديث في مراحله المبكرة. هذه الفكرة معروفة، ولكننا نقلل من أهميتها، لا سيما وأننا نعتبر أن الفكر الحديث قد أحدث انقلابا على الأرسطية، إذا صدّقنا فلسفة رفض الأرسطية " la Philosophie du Non" كما تجلت في أعمال باشلار وإذا ما صدّقنا تأويل هوسرل لأزمة العلوم الأوروبية Krisis، حينما اعتبر أن الموروث الأفلاطوني هو الذي يشكل جذور الفكر العلمي الحديث، ضدّا على الأرسطية وإذا ما نظرنا إلى قرار منع الأرسطية الرشدية في المرسوم الكنسي الذي صدر في باريس سنة 1277.
يعتقد بلومينبيرغ أن هناك خيطا رفيعا يشهد عليه تاريخ العلم ويربط بين الرشدية و مدرسة Padova Padoue التي ينتمي غاليلي إليها، بعدما هربت فلول الأرسطيين الذين نعتوا في شخص ابن رشد "بالكلاب المسعورة من باريس إلى بادوفا أقصى أصقاع إيطاليا في ذلك الوقت، وهي المدينة التي شكلت مهد أرسطيي الشتات.
ما هي الأسباب التي دفعت الكنيسة في باريس إلى إصدار قرار حظر تدريس الرشدية سنة 1277؟
يتعلق الأمر أولا بمشكلة لاهوتية مرتبطة بأزلية العالم ووحدة العقل، وهي نظرة عقلانية تتعارض مع سعي اللاهوت المسيحي إلى النظر إلى الطبيعة في هيئتها الحسية والعارضة والمخلوقة. ثانيا، كانت العقل الفعال intellect agent في إطار نظرية العقل noétique قد ساعدت الرشدية على أن تتحول إلى ما كان يوازي المذهب الوضعي positivisme المعاصر في العصر الوسيط. تحول العقل الفعال مع ابن رشد إلى ذات ميتافيزيقية تحظى بالخلود، بعد أن انتقل توظيفه من نظرية المعرفة إلى ما بعد الطبيعة. ثالثا، أدى ذلك إلى إبطال الخلاص الفردي في العالم الأخروي وإنكار خلود النفس في القرن 14 بعد القول بأزلية العالم في القرن 13، وقد أفضى ذلك إلى ابتكار مفهوم الوعي بالذات conscience de soi ومفهوم المصير الإنساني وهو ما عرف في الفرنسية بمصطلح destinée de l’homme وفي الألمانية بمصطلح تقرير المصير Selbstbestimmung وهي عبارات تجسد فردانية الإنسان وخلاصه داخل هذا العالم.
وقد أدت مخلفات الرشدية في نظر بلومينبيرغ بفضل تحصيل الوعي بالذات الذي يقوم على الفرد في الأخير إلى ظهور المذهب الإنساني Humanisme، وبذلك كانت الرشدية قد مهدت عبر توالي العقود والقرون لظهور العصر الحديث.
من المفيد أن نرسم بعجالة خط هذا التمهيد للعلم الحديث من خلال قراءة بلومينبيرغ لفقرة قصيرة من كتاب "المخارج من الكهف" 227 و228 تحت عنوان "أسطورة الكهف": 157- 158 في ترجمة روزينتال Rosenthal 1956 تحت عنوان Averroes’ Commentary on Plato’s Republic : Cambridge.
شرح ابن رشد أفلاطون اعتمادا على صورة مجازية أو بالضبط اعتمادا على أليغوريا الكهف allégorie التي تشكل زاوية النظر إلى ابن رشد. نعلم عن أسطورة الكهف أن الناس مقيدون بالأصفاد، لكن ابن رشد يكتفي بالحديث عن جمهور يشبه أناسا عاشوا "منذ الصبا في كهف لا يبرحونه" من أجل إظهار الفرق بين من هم "مهيأون للفلسفة" [فقرة 228] أي يصبحون فلاسفة بطبيعتهم وبين من لا يستطيعون ذلك.
لا أحد يكره المؤهلين للتفلسف على الفلسفة حتى يحققوا استعداداتهم المعرفية و"نقسرهم على النظر في العلوم التي يصعب عليهم تجريد معقولاتها والتأمل فيها" [فقرة 228]. بالمقابل، لا يذكر ابن رشد شيئاً يمنع الجمهور من الاستمرار في رؤية التصاوير، كل ما يقوله هو أن الناس "لا يستطيعون أن يديروا وجوههم شطر بابه" [فقرة 227] بما أنهم نشأوا منذ صباهم في الكهف ولا يحتاجون إلى وضعهم في الأصفاد حتى يستمروا في رؤية التصاوير.
قد توحي الترجمة العربية بالتباس وهو التباس أخبرني الأستاذ عزيز الحدادي أنه موجود في الترجمة الإسبانية وكما يظهر ذلك بالتأكيد في الترجمة الإنجليزية، إلى درجة وجود تباين كبير في النصوص التي تتضمنها هذه الترجمات المختلفة عن العبرية.
قد يؤدي الالتباس إلى تحويل ابن رشد إلى فيلسوف أفلاطوني، بعد ما أوحى ظاهر الكلام، بعد الانتقال مباشرة في الفقرة 50 إلى أفلاطون والبداية بالرياضيات في تعليم الفلسفة، بوجوب إخضاع الجمهور والفيلسوف بدوره أيضا للتدرج في تعليم الفلسفة، عملا بحكمة أفلاطون "لا يدخلها إلا من كان رياضيا".
غير أن بلومينبيرغ يبرز أن ابن رشد استثمر أسطورة الكهف ولا يدعي أن الفيلسوف يسير في نفس المسار التربوي الذي اعتمده أفلاطون للجمهور؛ فهو قد حافظ على مسلمات نظرية المعرفة الأرسطية أثناء تأويل أفلاطون.
أكتفي في هذه التدوينة بفكرة واحدة تظهر القراءة الرشدية لأفلاطون من خلال مبادئ فكر أرسطو: لم ينظر ابن رشد بانبهار إلى المثل ولا إلى مثال المثل، على خلاف الأفلاطوني. ذلك أنه يتعذر علينا أن ننظر إلى أشعة الشمس مباشرة، وإلا سنصاب بالانبهار وهذا شيء سيء سواء كان انبهارا بالشمس لأنه يؤدي إلى العمى أو انبهارا بالهالة وهذا يؤدي إلى الاستلاب. لا يريد ابن رشد أن ينظر إلى الشمس، بل إلى الأشياء في ضوء شعاع الشمس. أشير إلى أن هذه الفكرة ظلت حاضرة بطرق متنوعة في النقد الذي وجهه الرومانسيون إلى فكر الأنوار وحاضرة لدى فتغنشتاين الذي يستثمره بلومينبيرغ بقوة. وعليه، ليس الهدف من التربية هو الانبهار بل هو التعود على النظر إلى الأشياء بصورة متدرجة "في ساطعة النهار" كما يقول ابن رشد. هذا ما يذكرنا به فتغنشتاين دائما وهو أن الفلسفة علاج thérapie لأنها تعلمنا كيف نصحح نظرتنا الطبيعية إلى الأشياء، بينما أدى المنظور الشكي إلى صيرورة الإدراك الحسي مع أفلاطون وديكارت وباركلي إلى التعالي على العالم المحسوس وخلق عوالم وهمية متخيلة بين أدوات الإدراك وموجودات العالم الحسي.
نحن لا نكتسب تربية خاصة من أجل تعلم رؤية الأشياء (أوستين)، ولكننا نتعود شيئا فشيئا على رؤية الأشياء التي يراها جميع الناس (فتغنشتاين) دون حاجة إلى الفلسفة، بدل أن نعتبرها مجرد أشباه ونظائر. وإذا ما استدعت الحاجة منا أن أن نلجأ إلى المنهج، فهي حاجة تتعلق بالنظر إلى الأشياء ذاتها "على نور القمر" ثم "في ساطعة النهار". لا يوجد تباين يدخل على الأشياء ذاتها، بل على النور الذي يلقى عليها لرؤيتها، وهو نور المجهر أو التيليسكوب أو نور المصباح فوق مكتبي.
استعرض ابن رشد أسطورة الكهف وحوّل مقاصدها عن أفلاطون ليرجع بنا كما يقول بلومينبيرغ إلى أرسطو دون أن يضطر إلى العودة إلى النصوص الأرسطية ذاتها، ذلك أنه لا يوجد خيار، إما أن ننظر إلى الأشباح أو أن نختار الأشياء ذاتها.
يظهر فرق آخر كبير بين الأفلاطوني والأرسطي؛ هما معا يعتبران أن الفيلسوف مهيأ للفلسفة. يعتبر أفلاطون أن الفيلسوف مهيأ للفلسفة ويبني هذا الافتراض على أن المعرفة تذكّر anamnesis وتوجد في حالة سبات وحتاج لمن يزيل الغشاوة عن ذاكرتنا المعوفية، بينما يحيل أرسطو على وجود استعداد بناء على الانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. يستدير الفيلسوف في نظر أرسطو نحو الواقع ويخترقه شيئا فشيئا على نور القمر والشمس ثم في ساطعة النهار. ومن هنا وصل إلى تحقيق معنى "الكمال المكتسب. ويجب أن يفحص عنه في العلم الطبيعي". [226]
ننتقل من هنا إلى الفرق الثاني:
2ـ لا يوجد تفاوت بين الشيء وظله وبين الأشياء والنظائر. توجد علاقة سببية بين الشيء وظله وليست علاقة تشابه زائف تذكرنا بموجبه النسخة بالأصل. وقد فتحت هذه العلاقة السببية الباب أمام العلم الطبيعي. وهنا نعود إلى كواين Quine الذي أبرز بوضوح أن الفلاسفة يشككون في مفهوم العلية أو السببية الطبيعية، مع أننا نستعمله بصورة طبيعية في المختبرات العلمية. فمفهوم العلية الذي طرح إشكالا حقيقيا على كانط جعله يبرر وجوده على نحو متعال، يمكن إعادة صياغته في نظرية المعرفة التجريبية.
وبالجملة، إن الفلاسفة الذين غادروا الكهف هو من أهلتهم طبيعتهم لذلك ووجدوا طريقهم بشكل طبيعي وحرٍّ. يحتاجون فقط إلى التكيف مع ضوء النهار، وإلى الاستمرار في إدراك الأشياء عينها وفق تدرج متفاوت في الوضوح. لا تنقلنا الفلسفة إلى عالم مفارق، بل تنظر إلى نفس العالم وفق المسلمات الطبيعية. ولا نستطيع التفلسف بعد ذلك إلا إذا حاربنا الفصام الذي يفصلنا عن الموجودات الطبيعية.
في الأخير، أذكر بأهمية الأرسطية اليوم في الفلسفة والعلم. لم تظهر مسلمات مدرسة العلم الحديث في بادوفا إلا بفضل مبادئ المسلمات الرشدية و الأرسطية التي استفادت من مرسوم 1277 وتشتت الرشديين في الأمصار. وقد أصبح الفلاسفة بعد ذلك أقل التصاقا بحرفية النص الأرسطي، وحافظوا بعد ذلك على روحه، وتبنوا في العلم الطبيعي مفهوم العلة الصورية causa formalis الأرسطي (وهو ما لا يمكن الاستفاضة فيه في التدوينة)، على خلاف أغلب المؤرخين الذين يعتقدون أن العلم الحديث يعود بنا إلى أفلاطون، وعلى خلاف ما زعمه هوسرل في كتاب الأزمة Krisis.
أشكر الجمهور الكريم من زملاء وطلبة الذين حضروا حضوراً افتراضيًّا الندوة الفكرية التي انعقدت ليلة أمس. والهدف هو الحفاظ على صلة متواصلة بهم في هذه الظروف العصيبة، على أمل تطوير هذه التدوينة في مقالة مرتقبة.



ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة