أعلان الهيدر

الرئيسية عهود الناصري تكتب: خطبة الجمعة بين الابتذال والجاهزية

عهود الناصري تكتب: خطبة الجمعة بين الابتذال والجاهزية


خطبة الجمعة بين الابتذال والجاهزية

بقلم: عهود الناصري


عهود الناصري تكتب: خطبة الجمعة بين الابتذال والجاهزية

قد يسأل أحدكم عندما ينتهي من حضور خطبة الجمعة، لمَ لا يتحدث خطيب المسجد كشخص عادي؟ معظم الخطباء يطلقون نبرة غير طبيعية، مزعجة وأحيانا منفرة  وفوقية وغير متجانسة النغمة،  تجدهم يقصرون ويمددون وينطقون كلمة تقال في ثلاثة ثواني يقولها في تسعة ثواني، ويصرخ صراخا كأننا في ساحة حرب، ولسنا في مكان للسلام الروحي، وتزكية للقلب، ويظل يعيد الكلمات بالمد والهتاف كأننا صمّان: "الإسلاااااااام الإسلاااااام، والإيمااااااان الإيمااااان
".
هل وظيفته تكمن في اعتلاء المنبر وحفظ مسافة كافية بينه وبين الحاضرين والابتعاد عن الناس، أم أنها تكمن في نزوله عن المنبر واترابه من قلوب الناس وأرواحهم والتحدث إليهم بنبرة فيها سلام، بلغة أقرب لتواصلهم..  لغة التواصل عبارة عن لغة جسد، هي نبرة الصوت ثم محتوى حديث، فما جدوى الحديث عن التسامح بنبرة تمتلئ غلظة، تزرع في من يسمعها رغبة في الهروب، أوليس الهدف من الخطبة التأثير في النفوس، فكيف سيؤثر في نفسك خطاب تنتظره متى ينتهي!.
متى يسترد المسجد دوره  الروحي والفكري بالاستعانة بمن يعرف؟ كيف يؤثر على الإنسان؟ وليس فقط من يحفظ نصوص الدين ويتوارثها عميانياً؟ دون مراعاة لتغير ثقافة ولا مجتمع ولا جمهور! .
نحن في زمن توفر المعلومة لذلك فمن الضروري ألا ينعزل الخطيب في دائرة الدين فقط وأن ينفتح على استخدام العلوم الأخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع".. حتى يكون للمحتوى الديني تأثير أكبر، وكذلك التعرف على فن ومهارات التواصل والعرض لابد أن تكون جزء من مهاراته. الإلمام بالظواهر الاجتماعيةً وتحليلها وتحديد علاقتها بالدين واجب! .
لطالما كان المسجد مكان لتنشئة اجتماعية، يظهر ذلك من خلال أهمية صلاة الجمعة والدور الكبير الذي تلعبه في حشد الناس على النمط الواحد الأصلح، لكن هذا الدور قد يضيع وسط الأهداف المنوطة للخطباء، ليصبع تابعا وماثلا للأوامر العليا، فيكذب الحق ويصدق الباطل، هنا سنتحدث عن خطيب موظف يأتي للخطبة على أنها جزء من دوامه الرسمي في الحكومة – وزارة الأوقاف – فيؤدي ما طلب منه بالحرف ويتقيد بالنص المطلوب بشكل دقيق لا ينحرف عنه أبدا.


        نحن في زمن توفر المعلومة لذلك فمن الضروري"        

ألا ينعزل الخطيب في دائرة الدين فقط وأن ينفتح على

استخدام العلوم الأخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع."     


قد تغيب عن خطبة الجمعة شهورا لتجد موضوعها هو الصدقة أو الزكاة، هذا إذا لم تكن قد حضرتها من قبل، فكثير ما يتم تكرار المواضيع، بنفس الطريقة ونفس المضمون، فتصبح هذه الخطبة شيء مجرد وبعيد عن واقع الناس ومتطلباتهم، أو واقع مجتمعهم.
وتصبح بذلك عبارة عن  موضوع لا يهم الناس ولا يلامس همومهم بل تكون الخطبة بعيدة عن أحوالهم ولا تلامس ما يجري من مشكلات في حياتهم تحتاج إلى الحديث عنها وتوعيتهم بطرق حلها".


   "وتصبح بذلك عبارة عن  موضوع لا يهم الناس     
ولا يلامس همومهم بل تكون الخطبة بعيدة عن
أحوالهم ولا تلامس ما يجري من مشكلات في 
حياتهم تحتاج إلى الحديث عنها وتوعيتهم بطرق حلها."


وربما لأننا في زمن السرعة والفاست فوود والتعود على لفظ الجاهزية في كل مناحي الحياة فخطباؤنا اكتسبوا هم الآخرون هذه الصفة، فأصبحوا يعتمدون على الخطب الجاهزة المعلبة من الكتب أو مواقع الإنترنت دون اهتمام بالأحداث الواقعة ومشاركة همومهم مما يفقر الخطبة ويجعلها كلاما في الفضاء.
كما أن ضعف أسلوب الخطباء في جذب الناس والوصول إلى قلوبهم يجعل بعضهم منفرا بسبب أسلوبه وعدم لباقته.
 هذا بالإضافة إلى  الضعف اللغوي والنحوي لدى الكثير من الخطباء،  أذكر أنني كنت أحضر لخطيب جمعة الأقرب إلينا، كثيرا ما كان ينصب الفاعل ويرفع المفعول به ثم يفطن لأنه ارتكب خطأ ثم يعيد تصحيح جملته وهكذا تمر بقية الخطبة بين الخطأ وتصحيحه والإغفال عنه.
مما يؤدي إلى ركاكة في الأسلوب أو أخطاء في مباني الكلمات أو أخطاء في النحو، هذه الأشياء التي تعد ركيزة الأساسية لفن الخطابة والإلقاء، فهو فن يحتاج إلى مهارات خاصة، وخصائص هامة أولها القدرة على الإقناع واستمالة الحضور، ومخاطبة العقل والقلب في آن واحد، فالعقل هو الأداة الأولى لاستساغة الأفكار وهضم المعاني، لذلك واجب على الخطيب أن يحترم عقول منصيتيه.
وبدلا من إعلاء الصوت للتأثير الأفضل منه إعلاء صوت العقل للإقناع، وعلى الرغم من أن الخطاب الديني موجه في أغلب الأوقات إلى قلوب الناس فهذا لا يمنع ولا يلغي مخاطبة عقولهم"، فيقوم بذلك الخطيب على بناء أفكاره وفق استنتاجات وأسس منطقية مقنعة، الأولى هي  مناسبة لهجة الإلقاء للمعاني، والأهم هو موضوعية الطرح وألا يفرض مواقفه وآراءه على مستمعيه. وأن يكتفي بتقديمه للأدلة الشرعية والمنطقية، دون أن يشحن جمهوره عاطفيا على ظاهرة أثارت غضبه، فالعاطفة متغيرة، أما البناء المنطقي فيستمد ثباته من الحقائق، وتناسق الأفكار.


           "وبدلا من إعلاء الصوت للتأثير الأفضل منه             

إعلاء صوت العقل للإقناع، وعلى الرغم من             

أن الخطاب الديني موجه في أغلب الأوقات              

إلى قلوب الناس فهذا لا يمنع ولا يلغي مخاطبة عقولهم."     



عهود الناصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.