أعلان الهيدر

الرئيسية نورالدين عزار يكتب عن: الحب كفلسفة للحياة

نورالدين عزار يكتب عن: الحب كفلسفة للحياة

الحب كفلسفة للحياة

نورالدين عزار يكتب عن: الحب كفلسفة للحياة

بقلم: نورالدين عزار

"إن الحياة هي الحب، والحب هو الحياة"
فما الحب؟ وكيف للحب أن يكون فلسفة للحياة؟
 أستهل بداية مقالي هذا بما جاء في مقدمة مترجم كتاب "ظاهرة الحب ستة تأملات" كتاب لجان لوك ماريون ترجمة الأستاذ د. يوسف تيبس حيث عرف الحب على أنه: "أقدم أسطورة اخترعها الإنسان كي لا يشعر بالوحدة (الأنا وحدي) والملل (التفاهة أو ما الجدوى) والرغبة في الانتحار (العدم) لذا فالاقتصار على الكوجيطو انغلاق للذات ورفض للحب"(1).
 يقول د. يوسف تيبس حول فلسفة الحب على أنه: "يمكن أن نستحضر فلسفة الحب بنوع من التعسف في السؤال: " ما الحب؟" لأن الفلسفة سؤال حول الماهية، حول الشيء الثابت الذي لا يتغير بتغير تمظهراته. إنه سؤال عقلاني وعقلي، لا يسمح للمشاعر بالتدخل كي لا يخلق اللبس والغموض، فهل هذا الأمر ممكن في مجال الحب"(2).
فالأستاذ يوسف تيبس طالما أتحفنا فكريا وفلسفيا وشعوريا في محاضراته متعلقة بالحب، ويجعلنا نعيد ترتيب معتقداتنا وتصوراتنا حول الحب...إلخ.
إذ يعتبر يوسف تيبس أن الكلام في الحب هو ممارسة للحب. وأن الوقت الأنسب لحديث الحب هو الغروب أو الليل، وأن الصباح يسكت فيه الحب لذا كانت شهرزاد تسكت في الصباح عن الكلام المباح. فهذه الأوقات لا يصح فيها الحديث بالصوت المرتفع، بل الهمس الذي يمثل لغة العشاق. والهمس ضد الجهر، لذا فالحب يمارس في السر لأنه سر(3)...
فكما كان سؤالك أستاذي في تقديم الكتاب "هل يمكن الحديث عن الحب وأنا أشعر بالجوع؟". يمكننا التساؤل أيضا "هل يمكن الحديث عن الحب وأنا فقير؟"...
ونجد الحب عند أوفيد أنه ليس مجرد زينة الحياة كما كتب الفيلسوف أبيقور، بل هو الحياة كلها، فبالنسبة له، ليس هناك حياة كاملة من دون حب ومن دون معاناة الحب الدائمة. أما سقراط فقد صور الحب على أنه جني عظيم. وكان تلميذه أفلاطون يرى أن الروح تصل إلى الخير من خلال الحب(4).
فهيدغر يرى أن لا شيء يقود إلى قلب العالم أكثر من الحب. ويعتبر آينشتاين أن الحب فعل إيجابي، وأن الإنسان فيه ينهض ويتعثر، ويخطو ويسير، ويتعلم(5).
فالحب نقطة الدخول إلى عالم من الإبداع، وهروب من الوحدة، للبحث عن ملاذ آمن، يمدنا بالثقة والطمأنينة بأننا لا نواجه العالم بمفردنا. ونحارب الملل والتفاهة الحياة بالحب، ونكسر رغباتنا في الوحدة والعدم بالحب..
فكبار الكتاب يتركون لنا حكايتهم مع الحب من خلال آثارهم، فنعرف أن ستندال كان مغرما بزوجة جاره فقرر أن تكون بطلة عمله الكبير "الأحمر والأسود"، ونعرف أن هتلر الذي أباد الملايين لم يقبل أن يرى ضعفه سوى شخص واحد وهو إيفا براون، وأن شاعراً مثل أمرئ القيس ترك البحث عن ملكٍ ضاع وهام يبحث عن محبوبة هجرته:
أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وأنك قسمت الفؤاد فنصفه قتيل ونصف بالحديد مكبل
فالمرأة هي جَنَّة المأوى، ولكنها أيضا جُنَّة، وجِنَّة، وجِنية، وجنين حتى. فهي تٌخفي عن الرجل أفتن ما فيها وأشهى. وهي إذا ما اقترنت به كان له ستراً يستره ودرعاً تقيه. حتى تفني هي فيه أو هو يفنى فيها، فقوام اللذة الفناء. ولهذا، فالوجود بالمرأة وفيها، أولها، هو أمتع الوجود، وأكتره إمتلاءً. فكما قال أدونيس "الليل يزين جسدها، وجسدها يزين الليل".
ولأن مصدر الحب ومبدأه هو الإنسان، هذا الكائن الذي يحمل رغباته وتحمله أهوائه. ولأن مآل العشق هو حب الإنسان لنفسه، بتوسطه حب غيره. فالنظر في تجربة الحب والعشق هو تأمل الإنسان في وجوده، بمعنى من المعاني. لأن الحب حالة قصوى من حالات الشرط البشري، وشكل من اشكال ممارسة الإنسان لذاته وبقائه.
وليس هذا لأن الناس يؤمنون بأن الحب ليس شيئا هاما. أنهم مشتاقون إليه، وهم يشاهدون عدداً لا يحصى من الأفلام عن قصص الحب السعيد والتعيس، وينصتون إلى مئات من الأغاني التافهة عن الحب، ومع هذا لا يكاد إنسان ما يفكر في أن هناك أي اقتضاء لمعرفة شيء عن الحب(6).
يرى شوبنهاور أن حقيقة الحب هو أنه انعكاس لإرادة عمياء في الحياة وغريزة لاعقلانية لاستمرار النوع البشري. فالأنسان يخدع نفسه لاعتقاده بأنه في الحب يخدم عواطفه وشهواته السامية، إنما يخدع نفسه بنفسه، لأن الحب ليس عاطفة فردية، بل عاطفة جنسية بشرية، إنه مجهول وقاهر، علينا أن نتريث قبل أن نلبي نداءه.
ويكتب تولستوي "إن الحب نقمة ونعمة. الحب قوة متطرفة في الإنسان، مثل العبقرية، الغضب الصلابة أو الثروة.
ويعتبر روسو الحب أنه لا يمكن لمن تفوق في الحب إلا أن يشعر بالخزي حين يفقد الحبيب. وأن الحب ليس إلا وهماً، وأنه يحوي حقيقة واحدة تتمثل في ما يولده فينا من شعور بالجمال الحقيقي الذي يجعلنا نحب، هذا الجمال لا يتمثل في من نحبن بل هو من صنع أخطائنا.
وتخصص سيمون دي بوفوار في كتابها 'الجنس الأخر"، فصلا يدور حول المرأة التي ترى أن الحب هو الخلاص: "تحاول المرأة العاشقة أن ترى بعينيه، تقرأ الكتب التي يقرأها، تفضل الصور والموسيقى التي يفضلها، تهتم فقط بالمناظر التي تراها معه، بالأفكار التي تنبثق منه، تتبنى صداقاته وعداوته ووجهات نظره، وحين تسأل نفسها تحاول أن تسمع اجاباته. سعادة المرأة العاشقة القصوى هي أن ينظر إليها عشيقها كجزء منه، وحين يقول "نحن" فهذا يعني أنها متحدة ومتماهية معه، تشاركه منزلته وتسود معه على سائر الناس، ولا تتعب ابداً من أن تكرر إلى حد الإفراط هذه النحن المبهجة"(7).
يكتب سارتر عن الحب "جميل أن تكون لدي عينان وشعر وحاجبان وأن أوظفها بلا كلل في فيض من الكرم بشأن هذه الرغبة المتواصلة التي يثيرها الأخر بحرية. وبدلا من أن نكون قبل الحب قلقين بسبب هذا الاضطراب غبر المبرر، وغير القابل للتبرير، الذي صار وجودنا؛ وبدلا من الشعور بأننا "زائدون على الحاجة" نشعر الأن أن هذا الوجود مستعاد ومرغوب في أدق تفاصيله بواسطة حرية مطلقة تمثل شرطاً له في الوقت نفسه. ها هنا أساس فرحة الحب حين تتوفر: إذ نشعر أن وجودنا مبرر"(8).
وتطرح فلسفة الوجودية تفسيرا للحب، وبحسب سارتر، فالحب يمثل تناقضا معروفا. وطبيعة الحب طبيعة متناقضة، لأنها ترتبط بالنزاع الأبدي والذي لا يمكن حله. ففي سعينا إلى إقامة علاقة متبادلة، إلى فهم الإنسان الأخر، وإلى مبادلته الحب، نريد من حيث الواقع إخضاع حريته المستقلة وجعله مادة لرغباتنا، ولو اقتصر الأمر على مجرد الحيازة الجسدية لما شكل الحب أية مشاكل أو نزاعات.
ويستعرض سورين كيركجارد الأب الروحي للفلسفة الوجودية في كتابه "خطوات على طريق الحياة"، المراحل المختلفة التي يمر بها الحب، تبدأ بومضة العشق وتنتهي بالحب الأسمى الذي شبهه بالأبدي: "المرأة التي أحببتها وأثرت بلا شك على حياتي، لذا فإن نشاطي ككاتب يشبه الجبل المشيد على شرفها ومجدها، وسأحمله معي في التاريخ، وأنا حزين لا أملك سوى رغبة واحدة، أن أسحرها، ولهذا أنصحكم جربوا الحب، فهو مركز الوجود وهو ما يمنح الطبيعة الإنسانية تناغما لا يمحى بالكامل أبداً، وأن الحب التعيس هو أرقى أنواع الحب".
اعتبرت حنة أرندت الحب على أنه "مشاعر العشق الحقيقية شديد الندرة مثل الأعمال الأدبية العظيمة بالضبط. وأنه لا شيء يقودنا إلى قلب العالم النابض حقا ومؤكداً أكثر من الحب". الحب إذن هو قدرة تجعل الممكن يحدث.
لقد كتب نيتشه في زرادشت "إنك تريد ان تداعب كل الوحوش، هواء زفرة حارة وقليل من فراء الحيوانات الأملس: وكنت مستعداً على الفور ان تحب وأن تجتذب إليك". "سوف ترى النساء ولا تنس السوط".
أن أصير محبوباً، فأنا لم أعد عنصراُ منفصلا عن أساس العالم، أنا ذلك الذي عن طريقه يرى انسان آخر العالم. أن أكون محبوباً، فأنا أصبح العالم نفسه.
"إن الحياة هي الحب، والحب هو الحياة"


المراجع
(1)   ماريون جان لوك[2015] ظاهرة الحب ستة تأملات، ترجمة يوسف تيبس، صادر عن المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، ص9.
(2)   مرجع السابق، ص10.
(3)   مرجع السابق، ص ص10ـ11.
(4)   حسين علي [2018] سؤال الحب من تولستوي إلى اينشتاين، دار المدى، ط1، ص5
(5)   مرجع السابق، ص ص6ـ7.
(6)   فروم أريك [2000] فن الحب بحث في طبيعة الحب واشكاله، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار العودة. بيروت، ص11.
(7)   حسين علي، مرجع سبق ذكره، ص31.
(8)   ماري لومونييه وأود لانسولان[2015] الفلاسفة والحب من سقراط إلى جان بول سارتر، ترجمة دينا مندور، دار التنوير، ص262.

         نورالدين عزار

شارك الموضوع مع أصدقائك:

هناك تعليقان (2):

  1. مقال جيد به الكثير من المعلومات، وفيه من الابداع ما فيه من الروعة.
    دمت مبدا واك كل التوفيق

    ردحذف
  2. كل الشكر والتقدير لك .. دامت لك محبة الحكمة..

    ردحذف

وحدة اعلانية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.